محمد العريان
في الشهر الماضي، فاجأت الكثيرين باقتراحي استقالة جيروم باول من منصبه كرئيس للاحتياطي الفيدرالي لحماية استقلالية سياسات البنك المركزي الأكثر نفوذاً في العالم. لكنه لم يفعل.
ومنذ ذلك الحين، اتسعت رقعة الهجمات على هذه المؤسسة وتفاقمت، والآن، بدأت تظهر تصدعات مثيرة للقلق في مبدأ راسخ يعد بالغ الأهمية لرفاهية الاقتصادين الأمريكي والعالمي.
في عالم بديل، سيكمل الرئيس باول فترة ولايته التي تمتد حتى مايو، بينما سيبقى استقلال الاحتياطي الفيدرالي دون أي شك، وستوضع السياسة النقدية بشكل مناسب. لكن هذا العالم غير ممكن، نظراً للعداء العميق بين الرئيس ترامب وباول.
العداء الذي نشأ عن سنوات من الخلافات منذ تعيين باول في ولاية ترامب الأولى - بل وربما، كما قد يقول البعض، عن الوعود المنقوصة - قد انتشر الآن بشكل حاد. وقد امتد إلى العديد من جوانب الاحتياطي الفيدرالي، مستقطباً المزيد من الجهات السياسية الفاعلة، ومقوضاً ثقة الجمهور المتراجعة أصلاً في البنك المركزي ورئيسه، والتي انخفضت إلى أقل من 40% وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «غالوب» في أبريل.
في الأشهر الأخيرة، يبدو أن إدارة ترامب سعت إلى إيجاد «سبب» لإقالة باول. تضمنت هذه الحملة عرضاً تلفزيونياً لمشروع تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي، الذي تجاوز الميزانية المخصصة له. واقترن ذلك بهجمات مستمرة على كفاءة باول وسياساته، ليس فقط من الرئيس، بل أيضاً من مجموعة متزايدة من الشخصيات، بما في ذلك وزير الخزانة، ومسؤولين كبار آخرين في الإدارة، ورئيس مجلس النواب.
وأخيراً، بدأت المعارك القانونية بعد أن وجهت الإدارة أنظارها إلى إحدى زميلات باول في المجلس، وهي المحافظة ليزا كوك، مستشهدة بمزاعم غير مثبتة بالاحتيال في الرهن العقاري. اتخذت الدعوات الأولية لإقالة كوك وباول منعطفاً دراماتيكياً الأسبوع الماضي عندما «طردها» الرئيس ترامب. وردت كوك بالقول إن الرئيس لا يملك سلطة قانونية للقيام بذلك، وأنها ستقاضيه، وستواصل أداء دورها في الاحتياطي الفيدرالي.
هذه ليست مجرد مسألة تتعلق بالإدارة وكوك. من الصعب أن نرى كيف يمكن لباول مقاومة إطلاق تحقيق داخلي في الاحتياطي الفيدرالي. قد يضطر حتى إلى اتخاذ قرار بشأن السماح لكوك بالعودة إلى المبنى خلال هذه الفترة من المعارك القانونية في ظل حالة عدم اليقين.
في الوقت نفسه، يتضح للكثيرين بشكل متزايد أن ما هو على المحك الآن بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي يتجاوز بكثير مجلس المحافظين. إذا تم استبدال «كوك» في نهاية المطاف بشخصية مقربة من ترامب، فقد يحصل المجلس على أصوات كافية لتعقيد إعادة تعيين جميع رؤساء بنوك الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية الاثني عشر في فبراير، ما يهدد بتسييس النظام بأكمله بطريقة غير مسبوقة وغير متوقعة.
بالنسبة لشخص مثلي، يؤمن بالأهمية الحاسمة لاستقلال الاحتياطي الفيدرالي، فإن هذا الأمر مقلق للغاية. الأمر أكثر إثارة للقلق لأنني أشعر أنه كان من الممكن تجنب هذا الوضع لو استقال باول مبكراً، مانحاً الرئيس فوزاً سياسياً واضحاً ربما كان سيدفعه للمضي قدماً.
ويجادل اقتصاديون بأن استقالة باول ستضعف، في حد ذاتها، استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وتفتح الباب أمام تعيين سياسي على أعلى مستوى في هذه المؤسسة الاقتصادية الحيوية. وإذا كان هذا القلق مبرراً، فمن المرجح أن يتجلى في أي حال، نظراً لقرب نهاية ولاية باول في مايو، بحسب العريان. ومن الجوانب المشجعة، أن قائمة الإدارة المعلنة للخلفاء المحتملين الأحد عشر تضم شخصيات محترمة ومؤهلة تأهيلاً عالياً. علاوة على ذلك، بينما يميل الاحتياطي الفيدرالي إلى «التركيز على رئيسه»، فإن رئيسه يحتاج إلى دعم الآخرين في القرارات الرئيسية.
وكانت استقالة باول المبكرة ستتيح لرئيس جديد الشروع في إصلاحات يرى حتى أقوى مؤيدي الاحتياطي الفيدرالي، بمن فيهم أنا، أنها طال انتظارها. من تعزيز المساءلة والرقابة، إلى مكافحة التفكير الجماعي وإصلاح العناصر الرئيسية للإطار النقدي الشامل، هناك الكثير مما يجب فعله ليس فقط للحفاظ على مصداقية البنك المركزي وفعاليته، بل أيضاً لتحسين فرص تحقيق نتائج اقتصادية جيدة.
يصعب الإجابة عن سؤال ما إذا كانت الأمور قد سارت على ما يرام - ما إذا كانت استقالة باول اليوم ستحمل فرص حماية استقلال البنك المركزي نفسها كما كانت في السابق.
حدث الكثير في الأسابيع الأخيرة، وبعضه لا يمكن التراجع عنه الآن. ما أعرفه هو أن هذا سيبقى موضوعاً للنقاش مع الأصدقاء والزملاء، ومن غير المرجح أن يتوصل أي من الطرفين إلى استنتاج متفق عليه.