: آخر تحديث

قيم كبرى لا تشترى

5
4
4

فيصل الشامسي

في عالم اليوم، حيث يزداد بريق المغريات وتتصاعد وتيرة الشعارات، يقف الإنسان أمام سؤال جوهري: هل هناك قيم لا تشترى؟ والإجابة التي تعكس جوهر الإنسانية هي: نعم. فهناك قيَم راسخة لا تُقاس بالذهب ولا تُوزن بالفضة، قيم تُبنى بالضمير وتترسخ بالإخلاص وتزدهر بالأخلاق وتسمو بالقيم الوطنية الكبرى المتمثلة بالولاء والانتماء؛ إنها القيم التي تحفظ للإنسان كرامته، وللمجتمع تماسكه، وللوطن عزته، فهي قيم لا تُشترى.

الصدق أساس العلاقات الإنسانية، وهو جسر الثقة بين الفرد وأسرته ومجتمعه ووطنه وقيادته، قد يظن البعض أن الكذب يفتح أبواباً مؤقتة للمكاسب، لكن الحقيقة أن الصدق وحده يرسّخ الثقة التي لا تقدر بثمن، حيث إن الصدق تاجٌ على رؤوس المخلصين، فالفرد الصادق مع أسرته يكسب قلوبهم، والبائع الصادق يكسب ود زبائنه قبل جيوبهم، والقائد الصادق يزرع الولاء والانتماء لوطنه، والصديق الصادق يُقيم جسوراً لا تهدمها الأزمات. إن الصدق قيمة لا تُشترى بالمال، بل تُكتسب بالالتزام والوفاء.

هي تاج الإنسان، ومهما بلغت ثرواته أو مناصبه، فإن فقد الكرامة يبقى بلا قيمة، الكرامة لا تُباع في سوق المصالح ولا تُشترى بالهبات، بل تُصان بالعزة والاعتزاز بالقيم والهوية الوطنية، وبالأخلاقيات السوية، والمبادئ الرصينة، والعادات والتقاليد القويمة، التي تملؤها المروءة والشهامة، والنخوة والرجولة.

مبدأ عظيم يشمل حفظ الحقوق وصيانة المسؤوليات؛ فالموظف الأمين يحفظ مصالح مؤسسته، والطالب الأمين لا يغش في علمه، والمسؤول الأمين يضع مصلحة وطنه فوق مصالحه، هذه القيمة لا يمكن شراؤها ولا فرضها بالقوانين وحدها؛ لأنها تُزرع في الضمير وتنمو في النفس العفيفة، الأمانة هي حجر الأساس لبناء الثقة في أي منظومة وتحت كل ظرف.

في زمن المغريات وتباين القيم، يظل الوفاء من أنبل القيم التي تعكس أصالة الإنسان، فالوفاء بالعهد للوطن، والقيادة الحكيمة، وللأسرة، وللأصدقاء، وللمجتمع هو ما يجعل للحياة معنى، قد تُغري الماديات بعض النفوس، لكن النفوس العظيمة تظل وفية لمن أحسن إليها، ومخلصة لعهودها مهما كانت الظروف، فالوفاء قيمة لا تُشترى.

الانتماء للوطن ليس شعاراً يُرفع وعبارات تقال، بل إحساس صادق بالمسؤولية تجاه صون كل ذرة من تراب أرض الوطن، والاستعداد للتضحية والعمل بجد، وإخلاص في خدمة المصلحة العامة فوق الخاصة، وحمايته من كل فكر متطرف وسلوك منحرف، والانتماء الحقيقي لا يُباع ولا يُشترى؛ لأن الوطن هو الهوية والجذور والذاكرة، من يفرّط في انتمائه كمن يفرّط في نفسه، ومن يحافظ عليه يعيش كريماً في ظل أمنه واستقراره.

قيمة إنسانية عليا تُلطف العلاقة الإنسانية، فهي ليست سلعة تُشترى بالهدايا أو المال، بل إحساس صادق يفيض من القلب نحو الآخرين، والمحبة تبني جسور التعايش بين البشر، وتُذيب الفوارق، وتوجد مجتمعات متماسكة متراحمة، والحب الصادق بين الأهل والأصدقاء أو بين الإنسان ووطنه لا يقاس بثمن، لأنه عطاء يتضاعف كلما شاركناه.

إن القيم والمبادئ التي لا تُشترى هي الرصيد الحقيقي للإنسان والمجتمع، وهي الثروة التي تبقى حين يذهب الزبد، الصدق، الكرامة، الأمانة، الوفاء، الانتماء، والمحبة، كلها جواهر نفيسة تُصاغ في القلوب وتُترجم في السلوك، من حافظ عليها عاش كريماً، ومن باعها خسر نفسه قبل أن يخسر الآخرين.

القيم التي لا تُشترى هي التي تمنح الحياة معناها الحقيقي، وتمنح الوطن حصانته الكبرى، وما ذكرته في هذا المقال ليست مجرد مفردات قيمية وأخلاقية، بل هي عناوين حتمية للبقاء والازدهار، فالعالم المعتدل، والمفكر الواضح، والموظف المخلص، والطالب النزيه، والمعلم الصادق، والأسرة الواعية، والأصدقاء الأوفياء، والفرد السوي فكرياً وسلوكياً، كلهم يشكلون جدار الوطن الحصين. وفي زمن تتسارع فيه المغريات بأنواعها، تظل هذه القيم منارات مضيئة، تذكرنا أن أنفس ما نملك هو ما لا يمكن أن يُشترى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد