عبدالله الزازان
يفرق الباحثون الاجتماعيون بين مصطلحي الحداثة والتحديث، حيث يتبنى التحديث مظاهر الحضارة المادية دون التغيير في القيم والبنى الاجتماعية. بينما الحداثة تتداخل مع القيم والقناعات، وهما مصطلحان مرتبطان بالتغيير والتحول، لكنهما يختلفان في طبيعتهما. فالحداثة حركة فكرية فلسفية، تعبر عن تحول في طريقة التفكير، وإحلال قيم جديدة، كالعقلانية، والفردانية، والحرية، والدنيوية، محل القيم والمعتقدات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، ولذلك فالحداثة تسعى إلى إحداث تغيير جوهري في نمط التفكير، خاصة في الجانب الفكري والفلسفي. وكما يقول المفكر المغربي الدكتور محمد الشيخ: إن الحداثة تتعلق بالأفكار الكبرى وبمنظومة المبادئ التي يؤمن بها الإنسان الحديث كالفردانية والعقلانية والحرية والدنيوية. أما التحديث فعملية اقتصادية واجتماعية تتعلق بالتطور العلمي والتقني على خلاف الحداثة، حيث تهتم بالجوانب الفلسفية والفكرية والثقافية. وفي هذا نلاحظ فرقًا شاسعًا بين مصطلحي الحداثة والتحديث، إذ ليس كل عملية تحديث مصحوبة بالحداثة، فقد تحدث تحديثات منفتحة في مجتمعات متدينة. وقد يشهد مجتمع تحديثًا اقتصاديًا واجتماعيًا وتكنولوجيًا مع الاحتفاظ بتقاليد محافظة، فالتحديث يقوم بشكل رئيسي على التحضر والتمدن والتعليم والتكنولوجيا وخلق طبقة وسطى منفتحة على التحديث. تبنت العديد من الدول تحديثا في مختلف المجالات، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو تكنولوجية. ومن أبرز الدول التي شهدت تحديثات وتطورات عصرية دول الخليج العربي واليابان وكوريا الجنوبية والصين، حيث شهدت تحولًا اقتصاديًا وتقنيًا هائلًا، في الإنفاق التكنولوجي، والتحول الرقمي، من خلال التركيز على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، والتنمية المستدامة، والتطور التكنولوجي، وتغيير الهياكل الاقتصادية والتحول إلى مجتمعات حديثة ذات تقنيات متقدمة، والانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، وذلك بتبني القيم الحديثة، وفلسفة العفوية المبدعة. حيث يشهد الخليج العربي تحولًا كبيرًا في إطار التحديث، ونهضة اقتصادية واجتماعية متسارعة، مراعية تحقيق التوازن بين التحديث والقيم والتقاليد، حيث يقوم التحديث على مشروع شامل للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وذلك بتطوير البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في مختلف المجالات. ظهرت نظرية التحديث في منتصف القرن العشرين، وتركزت على عوامل التحديث المتمثلة في التكنولوجيا والتعليم والمؤسسات الاقتصادية والاستثمار الأجنبي والهياكل الاقتصادية، وتشير إلى أنه يمكن تحقيق التنمية من خلال اتباع عمليات التنمية التي استخدمتها الدول المتقدمة، باعتبار أن المجتمعات تتبع مسارًا مشابهًا في التحديث. أما إذا أردنا أن نتناول واقع الحداثة على مستوى العالم العربي، فقد تعرض لحداثة متفاوتة التأثير من خلال النخب الفكرية. ولهذا السبب يبدو من المبالغة الحديث عن حركة الحداثة على مستوى المجتمع العربي بمعايير الحداثة الأوروبية، حيث قوبلت بحركة ممانعة ثقافية، وتراجع وانكماش من القطاعات الاجتماعية، في حين تلقت الحداثة الشكلية قبولًا من قطاعات الشباب العربي، الأكثر انجذابًا لمظاهر الحياة الغربية، كاختيار أنماط اللباس الخارج عن المألوف، والفنون الغربية، فكثير من مظاهر الحداثة الغربية أصبحت لها جاذبية لدى بعض فئات الشباب العربي. فالعالم العربي ليس معزولًا عن العالم الحديث، ما يجعل تأثير الحداثة لا يمكن تجاهله، ولكن إذا ركزنا النظر في المجتمعات العربية نجد أنها احتفظت بقدر من الاستقلال على مستوى منظوماتها الرمزية والقيمية، ما يجعل من المبالغة القول إن الحداثة قد فرضت نفسها كخيار وواقع على نحو ما تشيعه بعض الكتابات العربية. كما أنه لا توجد علاقة متلازمة بين التحديث والحداثة، فالقطاعات الاجتماعية العربية الحديثة تبدو أشد ارتباطًا بالتحديث ومنجذبة إليه، كما هو الواقع في منطقة الخليج العربي. فقد استطاعت رؤية 2030، ورؤية 2035، ورؤية 2040، في الخليج العربي، إعادة صياغة الحقل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وجعله أكثر استجابة لمتطلبات الأزمنة الحديثة، والخروج من دائرة الروابط التقليدية لمصلحة الانتماء الحديث، والانتقال من نمط الإنتاج التقليدي إلى النمط الحديث، والتحول إلى مجتمع المدينة المفتوح دون مجافاة المسلكيات الاجتماعية. فمشروع التحديث يتقدم بوتيرة متزايدة دون أن يوازيه تقدم ملموس على مستوى حركة الحداثة، وبالذات النموذج الاجتماعي الغربي الذي كشف من خلاله أنانية الغرب وخطأ المراهنة عليه. فلم تستطع الحداثة أن تحقق الغايات التي كانت في أصل وجودها، وكما يقال: إنها تطورت ضد ذاتها.الحداثة والتحديث التفاوت بين التنظير والتطبيق
مواضيع ذات صلة