: آخر تحديث

الروائي والمؤرخ برؤية محفوظ

28
31
29

حسن مدن

كان موضوع العلاقة بين التاريخ والرواية، وربما الأدب عامة، وسيظل، موضع نقاش، بين من يرى أن الروائي الجيد مؤرخ بامتياز، لكنه لا يكتب التاريخ بالطريقة التي يكتبه بها المؤرخ، وإنما يختار مفصلاً زمنياً منه، فيكسبه حياةً من لحم ودم، وقد تكون الغاية هي الحديث عن الحاضر باستخدام وقائع التاريخ. ويبدو لي أن غاية رضوى عاشور، مثلاً، في «ثلاثية غرناطة»، وهي تتبع معاناة من بقى من العرب في الأندلس بعد سقوط الحكم العربي فيها، الذين عرفوا بالمورسكيين، كانت عقد مقارنة، حتى لو لم تفصح عن ذلك، بين ما عاناه هؤلاء وما يعانيه الفلسطينيون الذين واجهوا ويواجهون حملات تهجير ومصادرة للحقوق.

الروائي العراقي فؤاد التكرلي يقول: إن «التاريخ يُسجّل العبور اللامنتهي للحشود الزمنية، وهي تقطع الزمن، أما الرواية فتقوم بمهمة تبدو نقيضة، هي الإمساك بوجود الفرد الإنساني على صفحة الأيام، فتجعل منه مقيماً لا عابراً على خلاف ما يفعله التاريخ أو المؤرخون».

وفي حوار متلفز مع نجيب محفوظ تناول هذا الموضوع، في مقاربة تبدو قريبة جداً من هذا، قائلاً إن المؤرخ عالم ملتزم بمنهج علمي، يبحث الوثائق والمراجع العلمية بموضوعية كاملة، كي يصل إلى الحقيقة التاريخية، فيما يكتب الأديب عملاً فنياً يراد به إمتاع الناس، وإيصال أفكار إليهم، قد تتصل بالتاريخ وقد لا تتصل.

وبرأي محفوظ أيضاً، فإن هناك نوعاً من القصة التاريخية يكاد يختلط فيه دور القصّاص بدور المؤرخ، حين يأخذ بالقارئ إلى زمن آخر، وأعطى مثالاً بذلك فيما لو اختار الروائي عهد معاوية بن أبي سفيان مثلاً، فإنه يتعيّن عليه أن يدرس المجتمع الأموي من جوانبه المختلفة: كيف كانت الناس تعيش، وما هي الشخصيات البارزة، وما هو نظام الحكم، وكيف هي طقوس الولادة والوفاة، ومن خلال هذا يُمرّر حكاية صغيرة، وفي هذا يتساوى دور وهدف المؤرخ والروائي، فكلاهما يبحث عن الحقيقة التاريخية، وفي هذه الحال، فإن نسبة الأدب في الرواية لا تتعدى عشرين في المئة من مجموع العمل، في حين أن الثمانين في المئة المتبقية هي من نصيب التاريخ.

يستدرك محفوظ قائلاً: «مش كل القصص التاريخية كده. في تاريخ يأخذ الإطار ويخلق قصة»، ومرة أخرى يدعونا محفوظ للعودة للتاريخ، ولنتخيل أننا نعيش في عصر محمد علي، لكن الروائي هنا يبتكر شخصية متخيلة، ولتكن مهاجراً شامياً أتى مصر في تلك الفترة، تعرّف إلى عائلة مصرية وتزوج من ابنتها، ثم تحدث ملابسات تجعله يقابل محمد علي. إنها حكاية لا أصل لها في التاريخ، لكن الكاتب يجعلها مقنعة، حين يُحسن التماهي مع شخصيات ذلك الزمن، ويتمثل تفاصيل العيش فيه.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد