: آخر تحديث

تحدّيات بايدن الانتخابية بين الداخل والخارج

27
33
30

عندما حسم الحزب الجمهوري الأمريكي، «من الناحية الفعلية»، اختيار الرئيس السابق دونالد ترامب، مرشحاً باسم الحزب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، اعتقد كثير، وفي مقدمتهم الرئيس الحالي، جو بايدن، أن هذا الخبر هو الأسوأ الذي يواجه حملته الانتخابية، لأسباب كثيرة، من بينها قناعة بايدن، التي عبّر عنها كثيراً، أن ترامب إذا أتيحت له فرصة خوض معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة سيقودها ب«دوافع انتقامية» من شخص بايدن، ومن بينها أيضاً قناعة بايدن أن ترامب «إذا لم يتمكن من الفوز بهذه الانتخابات فإنه لن يقبل بالنتيجة».

أكد ذلك بايدن في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، عندما قال إنه «سيفوز بولاية ثانية وإن منافسه الجمهوري دونالد ترامب، لن يقبل بهذه النتيجة على غرار ما فعل في الانتخابات السابقة عام 2020». هذا التأكيد من بايدن لم يكن مجرد توقع، ولكنه أعقب تصريحات أدلى بها ترامب في مقابلة مع صحيفة «ميلوكي جورنال سينينتل»، أنه «إذا جرى كل شيء بنزاهة، فسأقبل النتائج بكل سرور، لكن إذا لم تكن الحال كذلك، فسيتعين علينا النضال من أجل مصلحة البلاد».

كابوس عودة ترامب منافساً كان الهاجس الأهم الذي واجه بايدن، وحملته الرئاسية، ويبدو أن الركون إلى ذلك كان مرجعه الانتخابات السابقة، ودروسها، وتجاربها بأن التحدي الانتخابي يكمن دائماً في الداخل الأمريكي، لكن شاءت الأقدار، وربما للمرة الأولى في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أن تقفز السياسة الخارجية بكل تعقيداتها لتنافس على الصدارة مع الأوضاع الداخلية لحسم مسار الانتخابات.

تقليدياً لم يكن الناخب الأمريكي مولعاً بالسياسة الخارجية كمحدد لاختياراته الانتخابية، كانت قضايا داخلية أخرى تحظى بالأولوية مثل الاقتصاد، ومشاكله، وانعكاساته المعيشية على الناخبين، وقضايا الهجرة، ومسائل أخرى مثل «حق الإجهاض»، وغيرها أكثر جاذبية للناخب الأمريكي، لكن هذا الناخب وجد نفسه مدفوعاً هذه المرة للاهتمام بقضايا السياسة الخارجية، وكيفية إدارة الولايات المتحدة لانعكاسات هذه القضايا على المصالح الأمريكية بخاصة بالنسبة إلى الأزمة الأوكرانية، وانعكاساتها على العلاقات الأمريكية - الأوروبية، ومستقبل العلاقة مع روسيا، والموقف الأمريكي من التحالف الاستراتيجي بين روسيا والصين. أما القضية الأهم التي شغلت، أو أخذت تجذب اهتمامات الناخب الأمريكي، فهي الصراع المتفجر في الشرق الأوسط، وبالتحديد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

المفاجأة غير المتوقعة أمريكياً بهذا الخصوص، أنه ليس هناك اهتمام ملحوظ بالحرب في غزة، من قبل قطاعات واسعة من الرأي العام، والناخب، بل حدث للمرة الأولى انقسام حول الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل، ولأول مرة يجد المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي، أي بايدن، نفسه أمام معضلة دعم إسرائيل. تاريخياً كان هذا الدعم مثار تنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري لكسب أصوات اليهود وجماعات الضغط اليهودية، في هذه الانتخابات وجد الرئيس بايدن نفسه في مأزق غير مسبوق بين المضي في السياسة التقليدية لدعم إسرائيل دعماً مطلقاً، وبين الاستجابة لضغوط قطاعات شعبية واسعة محسوبة على الحزب الديمقراطي، تطالب بالعدالة لفلسطين، وإنهاء الحرب الدامية في قطاع غزة، عندها يجد نفسه مستهدفاً بالهجوم القاسي من الجمهوريين، بخاصة من الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي سارع إلى اتهام بايدن ب«الوقوف إلى جانب حركة حماس»، عندما ألمح بتعليق صفقات ذخائر وأسلحة لإسرائيل، إذا تورطت إسرائيل في اجتياح مدينة رفح المكتظة باللاجئين.

حملة الرئيس بايدن وجدت نفسها مضطرة لإدراك حجم التحول الذي أخذ يتسارع في مواقف قطاعات شعبية مهمة بالنسبة إلى الحزب الديمقراطي، بخاصة الطلاب، والشباب، والسود، والجاليات الإسلامية، وإدراك أن إسرائيل بدأت تتحول إلى عبء على بايدن وحملته الانتخابية، من هنا كانت زيارة الرئيس بايدن لكلية «مورهاوس» في أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا، وهي مؤسسة تاريخية مخصصة للسود. شارك بايدن طلاب هذه الكلية حفل تخرجهم، وصدم من هتافاتهم، وارتدائهم العلم الفلسطيني، وإعطاء ظهورهم للرئيس وهو يتحدث، ما اضطره لوصف ما يحدث في غزة بأنه «مفجع» وقال: «أنا أؤيد الاحتجاج السلمي وغير العنيف.. يجب أن نسمع الأصوات، وأؤكد لكم أني أسمعها».

معضلة جو بايدن الانتخابية تعكسها النتائج السلبية للاستطلاعات الرأي العام حسب ما نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، إذ تعتبر الوجه الآخر لخطة الهجوم الموسعة التي يشنها ترامب ضده. ففي كلمته التي ألقاها أمام المؤتمر السنوي للرابطة الوطنية للبنادق في ولاية جورجيا وصف ترامب منافسه جو بايدن بأنه «أسوأ رئيس في تاريخ بلدنا»، وأنه «رجل مماوء بالهراء». وطالب بإجراء «اختبار منشطات» لبايدن قبل المناظرتين اللتين تم التوافق على إجرائهما مع محطة «سي إن إن». ولمزيد من الإحراج وافق ترامب على إجراء مناظرة ثالثة مع بايدن، سبق أن رفضتها حملة بايدن، بهدف إزعاجه وإثبات أنه «غير لائق بدنياً»، ليكون رئيساً.

لم يبق أمام بايدن الكثير من الوقت ليعدِّل من مسار ما تواجهه حملته من تحديات يفرضها مأزق علاقته مع إسرائيل، وشراسة ترامب للعودة للبيت الأبيض.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد