: آخر تحديث

القراءة.. تاريخ موازٍ للحياة

22
16
17

كيف هي القراءة بالنسبة للكاتب؟ ما مكانها وما مكانتها؟ كيف يبنيها وكيف تكبر معه ثم كيف تعيد خلقه من أول السطر؟ من بدأ أولاً في سجل الحضارة والتطور: الكتابة أم القراءة؟ وإذا كان الإنسان بحاجة لأن يدرس ويتعلم ويتدرب كي يصبح كاتباً، فهل يحتاج لأن يدرس ويتدرب كي يكون قارئاً؟ وإذا كانت الكتابة مهنة ووظيفة فهل وصلت القراءة لأن تكون كذلك، أم أنها لا تزال في إطار الهواية وما يستخدم أو يستعان به لتمضية الوقت وتزجية الفراغ؟

تتناسل الأسئلة في رأس الكاتب كما تتناسل في ذهن المتلقي الذي ينتابه الكثير من الفضول تجاه كاتبه أو أي كاتب يجلس معه، فيود أن يستمع منه لتفاصيل التفاصيل، لذلك كانت الجلسة التي جمعتني بسيدات منتدى الراويات للقراءة كاشفة جداً وحقيقية جداً، فليس من المعتاد أن نجلس لنستمع لبعضنا، لقد اعتدنا أن نقرأ لغيرنا وأن نناقش أفكارهم، أما أن نستمع لشخص نعرفه كاتباً أو قارئاً، فتلك تجربة أجدها شديدة الأهمية وتنم عن رحابة وعي واتساع أفق أسهمت القراءة في خلقه بشكل كبير.

جمعتني أمسية رمضانية حلوة بسيدات قارئات، مطلعات، يعرفن كيف يستمعن وينصتن باهتمام وكرم كما يعرفن كيف يقرأن بوعي وحرص، وكما تجمعنا ليالي رمضان وروحانياته، فإن القراءة أيضاً تجمعنا وتشكل صلة روح وفكر بين منتسبيها وعشاقها لا تختلف عن أي صلة قوية أخرى.

إن القراءة من أوامر الله، فإذا قرأت «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، ثم استقم على طريق الوعي والتبصر وامضِ ناظراً للحياة والبشر والمدن والطبيعة والدين والفلسفة والخلق والتاريخ والسياسة والفن والموسيقى بعين البصير وعقل القارئ الفطن الذي إذا نظر رأى الغابة كلها وليس الشجرة فقط، فالشجرة قد ترحل، قد تقطع، قد تذبل، لكن الغابة تظل قائمة، محروسة بعصافيرها وجذورها وتاريخ الأرض المنغرسة فيها، وإنك إذ تقرأ وتتأمل فإنك ترى ذلك كله وتختزنه في قلبك فتتسع حتى تصير أنت غابة أخرى.

القراءة تاريخ موازٍ للكتابة والكاتب والحياة كلها، من أول «وعلم آدم الأسماء كلها».. حتى.. «اهبطوا بعضكم لبعض عدو..».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد