: آخر تحديث

نظام العالم الغربي: زمان التخلّي

2
2
2

كتبتُ في الأسبوع الماضي عن تنكّر المثقفين الآسيويين وكتّاب أميركا اللاتينية وأفريقيا للغرب ولمواريثه برؤيتها نقمةً على العالم المعاصر؛ لأن العقلية الاستعمارية مثل المصالح؛ لا تزول. لكنني أحسب أن النقمة الغربية على الذات أشد عمقاً وإحباطاً. قبل أكثر من عقدٍ قرأنا جميعاً كتاب فوكوياما عن صعود الدولة في الغربَيْن الأميركي والأوروبي وهبوطها. وكانت فكرته الرئيسية أنّ علةَ ذلك؛ أيْ تراجع ثقافة الدولة أو المصلحة العامة، هو تغلب ثقافة الحقوق على ثقافة الواجبات. فالحقوق ترتبط بالأفراد وجماعات المصالح الضيقة، أكبر مما ترتبط بالجماعة والمجتمع: لماذا حدث هذا التحول، وهل هو موجةٌ أم تيار جارف؟ فوكوياما، الذي يشتغل بفلسفة التاريخ، يعدّ الأمر تياراً جارفاً؛ بدليل التحولات في أنظمة الحكم وظهور الانكماشية والتنكّر للغريب والتخفف من الأعباء، ومنها دعم مفوضيات الأمم المتحدة أو الاهتمام الحقيقي بحلّ النزاعات داخل الغرب وخارجه، وصولاً إلى تنكّر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لحلفائه الأوروبيين في «الأطلسي»، وإدارة العالم من خلال الصفقات للكسب المحض؛ تارةً بقوة العسكر، وأخرى بالضرائب والرسوم الهائلة. في حين يهرب الأوروبيون باتجاه الهند والصين، وقد تلحق بهم اليابان وكندا وأستراليا.

فلاسفة التاريخ متشائمون بشأن مصائر الغرب. المفكر الفرنسي إيمانويل تود، صاحب كتاب: «هزيمة الغرب» قبل سنواتٍ خمس، مثل فوكوياما في التشاؤم، وهو يعيد تلك التشاؤمية عنده إلى أنه ذو أصول آسيوية، والآسيويون يقدّمون الواجب على الحق. بينما يرى تود أنّ المسألة أعمق من ذلك، ليس لأنّ التنوير كان بضاعةً فاسدةً؛ بل لأنّ المسألة أخلاقية وقيمية. وقد كشف ألسدير ماكنتاير عن أنّ الفردانية هي علةُ العلل، وأنها أكبر أمراض العلمانية الحديثة والمعاصرة.

بيد أنّ ما ذهب إليه ماكنتاير قبل تود، لا يوافقه عليه الفيلسوف واللاهوتي الكندي تشارلز تايلور. هو يلاحظ التراخي والخفوت، لكنه يذهب إلى أنّ القيم التي حملتها العلمانيات هي في الأصل مسيحية، وأنه يمكن - كما في كتابه: «عصر علماني» - أن يدعم الإحياءُ الديني أو عودةُ الدين الروحَ النهضوي للغرب الذي يتراخى الآن أو يتخلّى عن حماسته لما يتجاوز ذاته والنظام العالمي الذي أقامه بعد الحرب الثانية.

على أنّ فلاسفة التاريخ المتشائمين من دون أن يفقدوا الأمل، يصابون بالإحباط عندما ينضمُّ المفكرون الاقتصاديون الكبار إلى تيار التشاؤم. فجوزيف استيغليتز وأماراتيا صَن وبول كروغمان؛ وهؤلاء جميعاً من اقتصاديي «نوبل»، يذهبون، وإنْ لأسبابٍ مختلفة، إلى أنّ أزمة الرأسمالية هذه المرة أفقدتها روحها التي كانت تتجدد في الأزمات عادةً كما حدث في ثلاثينات القرن العشرين. فأزمة عام 2008 تركت جروحاً غائرةً ليس من السهل شفاؤها أو حتى الخروج منها. وهؤلاء يرون أنّ المبتدَعاتِ الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، هي تقنياتٌ تغطّي لبعض الوقت، لكنها لا تساعد حقاً على تجاوُز الوهدة.

يذهب المفكر الاقتصادي الصيني - الكندي، دان وانغ، إلى أنّ النهوض الصيني الشديد التسارع ليس سببه عنصر الثقة لدى الآسيويين كما يزعم فوكوياما، بل الاختلاف في طريقة التفكير وطريقة السير. فالصينيون يعتمدون نهج المهندسين في البناء وصنع الجديد والمتقدم؛ بينما «الروحية» أو «النهج» لدى الأميركيين والأوروبيين هو نهج المحامين وصُنّاع الإجراءات وتتبع الحقوق بالتفصيل، الذي يعوق التنفيذ في سائر الخطط والأعمال. فطريق الألف كيلومتر يبنيه الصينيون في عام، بينما يبنيه الأميركيون بعد استكمال الإجراءات في 10 أعوام! هل هذه تقنيات أم اختلاف في طريقة التفكير؟

المؤرخ الاقتصادي تايلور كوين، الذي أثنى كثيراً على كتاب دان وانغ وَعَدّه كتاب عام 2026، قال إنه يعلّل، بإقناع، التسارع الصيني، وهو محاولةٌ كبرى لإطعام مئات الملايين وللنمو، لكنّ الروح الغربي - ومن دون تمييز أو عنصرية - لم يكن يقتصر على النمو المتسارع، بل هو نظامٌ كاملٌ للعيش يتضمن مئات الأمور الصغيرة والكبيرة. هناك عُطْلٌ في المسار الغربي لن يعوّضه التسارع الصيني، وإنْ بدا منافساً له إلى أمدٍ ليس بالطويل. إنّ ظاهرة الخفوت الكبير، وفق تعبير إيمانويل تود، لا يمكن تعليلها بسببٍ واحدٍ قيمي أو اقتصادي، أو تراجع في المهارات التي تبدو متنامية. لقد حدثت أمور عدة منذ الستينات والسبعينات من القرن العشرين. فتقدمت الخدمات في الصحة والتعليم وتسهيل سبل العيش حتى على الفقراء، لكنّ الأفكار الكبرى القائدة للإنسانية والمنطلقة من الغرب تضاءلت، حتى من الاتحاد السوفياتي الذي سقط سقوطاً مُريعاً، ليس لأنه افتقر إلى خدمات المواطنين الاستهلاكية، بل لأنه لم يعد يعطي العالم إلهاماً وأملاً وطموحاً.

ليس في العادة أن يكون الاقتصاديون هم الذين يقدمون الأفكار الكبرى للنهوض أو الخروج من الأزمات، وإنْ حَسِبَ سياسيو الأنظمة ذلك. الذين يقدمون الأفكار الكبرى في النظام الغربي على الأقلّ هم المفكرون والاستراتيجيون. لكنهم اليوم يقودون موجات التشاؤم. لقد تخلى الغرب - من دون مقاومةٍ كبرى - عن فلسفة نهوضه وتفوقه. وينصرف غير الغربيين إلى النعي عليه وإعادة انحطاطه إلى الأصول: فمن أين يأتي الإنقاذ؟!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد