: آخر تحديث

جائحة استهلاكية

4
5
5

قبل عشرة أيام من شهر مضان المبارك كنت أمام سوق الربوة، وهو أحد الأسواق الكبرى في العاصمة الرياض المعنية بالمواد الغذائية بجميع تصنيفاتها.. ومع التزاحم الكبير أمامه وداخله تمنيت لو أني لي الصلاحية بتعليق لوحة كبرى على كل مدخل للسوق تحمل قوله سبحانه وتعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» وقوله سبحانه: «ﻭﻻ ﺗﺒﺬﺭ ﺗﺒﺬﻳﺮا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا».

بعد التوطئة أعلاه، أتدرون ما المضحك / المبكي قبل رمضان وأثناءه أننا في غير رمضان نأكل ثلاث وجبات كعُرف إنساني قليل من يحيد عنه.. وفي رمضان المطالبون فيه بالصوم خُصص لنا وجبتان حددتا باسم الإفطار والسحور.. فلماذا تكون مائدة رمضان مكتظة وعدد الوجبات خلال الليل يفوق ما في غيره من الشهور؟ أصدقكم القول إن معظم أرقام الإسراف والعبث بالطعام تحضر خلال رمضان.. يعبر عنها أكثر جائحة شرائية مستشرية حتى لا تكاد أن تجد موقع قدم في الأسواق التموينية الكبيرة من فرط الزحام على المواد الغذائية.. فهل هي سلوك أم أنها أصبحت ثقافة يصعب التخلي عنها تأثيرها غير جيد على مجتمعنا واقتصادنا؟

لنعترف -وأنا من المعترفين- أن لدينا «سُعارا شرائيا» يتجاوز أحيانا حدود المعقول، ولنقف على ذلك فما علينا إلا أن نسير في الأسواق بمختلف بضائعها وتوجهاتها وتحديداً قبل أيام من المناسبات المهمة كرمضان وعيد الأضحى وعيد الفطر. وحينها سنكتشف الشروط الأساسية لنظرية «الدباشة الشرائية» التي بتنا نعاني منها إلى الدرجة التي أصبحنا نحسبها جزءًا من شخصيتنا الاستهلاكية.. وهذا يدفعنا أن نعود لشأن مهم في حياتنا القصيرة أهملناه كثيرا من فرط انغماسنا في الحياة المتسارعة وكأننا نسينا أن النعم لا تدوم.. ليكون التبذير صفة ملازمة للمناسبات الكبرى، منغمسين في سلوك نهى عنه ديننا العظيم، بل جعل من يفعله من إخوان الشياطين، وكذلك لا يتسق مع قيمنا المجتمعية التي ترفض ذلك وتراه هدرا للنعم وفق عملية الضبط والتوازن طعاما واستهلاكا.

بتنا نحتاج إلى توجيه العادات والأنماط الاستهلاكية سواء التكميلية آو الغذائية، وبما يجعل سلوكنا الفردي أو الجماعي يتسم بالتعقل، والاتزان، وحسن التدبر، بحيث تكون مدفوعاتنا حسبما نحتاجه، ووفق التوجيه الإسلامي الكريم الذي ينبذ الإسراف ويحذر منه.

أيضا على الصعيد العام فإن التدبر العاقل للمشتريات المناسباتية وجعلها متوائمةً مع الاحتياجات، لا شك أنها ستسهم في تحسين نمط حياتنا إلى الأفضل، بل ستقودنا إلى مكتسبات سلوكية ومعيشية أرقى، ونحن بدعوتنا إلى الترشيد الاستهلاكي لا نقصد الدعوة إلى مبدأ الحرمان من التمتع بملذات الدنيا، بقدر ما نقصد بها العمل على تربية النفس وضبط السلوك، وبما يجعلنا كمجتمع قادرين على تجاوز أنماط ضارة يجب انتزاعها بما يتوافق مع الحياة المعيشية.

الأهم في الموضوع أن يكون الأمر شأنا وطنيا كبيرا تشرّع فيه حملة للتوعية بمضار الإسراف.. تتكاتف فيه المؤسسات المعنية والإعلام والجمعيات وحتى المؤثرون وخطباء الجمعة، فالأمر وإن كان هناك من يُصغر شأن تأثيره إلا أنه ضار جدا على الاقتصاد والصحة، لأن «المال لك لكن الموارد للجميع» والتعامل معها بهذا الشأن مؤثر على الأسعار والتخزين والاحتياج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد