: آخر تحديث

«التعليم الصحي».. من يضبط البوصلة؟

3
3
3

بعد مرور قرابة ثماني سنوات على انعقاد مؤتمر واقع القوى العاملة الصحية خلال العشر سنوات القادمة، الذي استضافته الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بحضور خمسة وزراء، هم: وزراء الصحة، والاقتصاد والتخطيط، والموارد البشرية، والتعليم، والخدمة المدنية، يظل السؤال الجوهري حاضرًا بقوة: ماذا تحقق من تلك الوعود الاستراتيجية؟

ناقش المؤتمر آنذاك عددًا من المحاور المرتبطة بمواءمة مخرجات برامج البكالوريوس مع احتياجات سوق العمل خلال العقد اللاحق، والفرص الوظيفية المتاحة للطلبة المتوقع تخرجهم، إضافة إلى الحاجة والفرص المتاحة للالتحاق ببرامج الدراسات العليا التخصصية داخل المملكة وخارجها، ورغم مرور هذه السنوات، ما زال السؤال يتردد في أروقة كليات الطب وبيوت الخريجين على حد سواء: أين نحن اليوم من تلك الرؤى؟

وبالعودة إلى أرقام ذلك المؤتمر، تتكشف فجوة واسعة بين التنظير والواقع العملي، فجوة يدفع ثمنها اليوم آلاف الخريجين من أطباء الأسنان والصيادلة وفنيي المختبرات وغيرهم من التخصصات الصحية. فالتكدس الوظيفي لم يعد حالة عابرة، بل تحول إلى ظاهرة واضحه تعكس خللًا عميقًا في التخطيط والاستشراف.

إن الوقوف عند عتبة الطاقة الاستيعابية التعليمية دون الالتفات إلى الاحتياج الفعلي لسوق العمل يعد مقامرة بمستقبل شباب استنزفت الدولة والأسرة مواردها في تعليمهم، لينتهي بهم المطاف في قوائم انتظار وظيفية طويلة، أو في فخ التوظيف الصوري الذي لا يسمن ولا يغني من مهنة.

ولا يمكن تجزئة المسؤولية في هذا الملف، غير أنها تتركز بوضوح في ساحة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، بوصفها الجهة التي تمتلك بنك البيانات، وتعرف أدق تفاصيل أعداد الممارسين الصحيين، وهي الجهة التي يفترض أن تقوم بدور رادار التنبيه للمنظومة التعليمية والصحية، لا أن تكتفي بدور تنظيمي جامد.

وفي تقديري، فإن غياب التنسيق الفاعل بين وزارات التعليم، والصحة، والموارد البشرية، يضعنا أمام مفارقة عجيبة؛ إذ تستمر الكليات في ضخ مئات الخريجين سنويًا في تخصصات مشبعة، مثل طب الأسنان، في مقابل صمت مطبق من جهات التنظيم التي يفترض أن ترفع الراية الحمراء لإعادة ضبط بوصلة القبول والتوظيف.

فالاستمرار في سياسة تخريج العاطلين تحت ذريعة القدرة الاستيعابية للكليات هو هدر وطني بامتياز. فالمجتمع لا يحتاج إلى شهادات معلقة بقدر حاجته إلى كوادر عاملة، يتم توزيعها وفق احتياج جغرافي ومهني مدروس.

ومن هنا، حان الوقت للانتقال من مرحلة عقد المؤتمرات إلى مرحلة المحاسبة على النتائج. فتكدس أطباء الأسنان والصيادلة ليس مجرد مشكلة توظيف، بل هو خلل هيكلي في إدارة القوى البشرية، يكشف ضعف المواءمة بين المخرج التعليمي والاحتياج التنموي.

فكيف يعقل أن تبقى البيانات حبيسة الأدراج في هيئة التخصصات الصحية دون أن تتحول إلى قرارات سيادية تلزم الجامعات بتقنين القبول في تخصصات بعينها، وتوجيه الدعم نحو تخصصات نادرة ومطلوبة؟ إن أي تأخير في معالجة هذا الملف لن يدفع ثمنه الخريج وحده، بل ستدفع ثمنه المنظومتان الصحية والتعليمية من رصيد ثقة الوطن في كفاءة إدارته لأهم موارده على الإطلاق.. الإنسان السعودي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد