ما زلتُ على الرغم من ازدحام المدن وارتفاع أبراجها، أحتفظ بهويّتي القروية كأنها جذع شجرةٍ قديمة لم تقلعها رياح الحداثة، هناك في القرى، لا يكون التاريخ كتابًا على الرف، بل هيئةً في الوجوه، وطريقةً في المشي، ونبرةً في الكلام، وحكايةً تتكرّر كل مساء على شكل عادةٍ أو مثلٍ أو أغنية، لهذا كنت أعتقد دائمًا أن القرويّين أكثر التصاقًا بالتاريخ، لأنهم لا يزورونه في الكتب، بل يسكنونه كما يُسكنون بيوتهم.
ومن هذه الهوية أعود، بين حين وآخر، إلى موروثنا القديم، كمن يفتّش في ركام الأمس عن جمرةٍ صالحة لتدفئة الحاضر، أفتح كتب التراث كما يفتح الفلّاح أرضه اليابسة، باحثًا عن بقعة رطبة تصلح للزرع لكنني كثيرًا ما أضيع بين كثافة الكلام، وتراكم الشروح، وغبار الأزمنة، حتى يصبح الطريق إلى الفكرة أشبه برحلةٍ في صحراء من الحواشي والزيادات والتفريعات التي لم تعد تقول لنا شيئًا، ولعل الشعر العربي القديم هو أكثر هذه الأراضي امتلاءً بالآثار؛ فهو لم يكن مجرّد غناءٍ جمالي، بل سجلًّا حيًّا للحروب، والرحلات، والتحالفات، والهزائم، وطبائع الناس.. هكذا بقيَ الشعر تاريخًا يتكلّم، وذاكرةً تمشي على قدمين، لكننا حين تعاملنا معه بوصفه أثرًا متحفيًّا، أو فنًّا معزولًا عن حياتنا، صنعنا بيننا وبينه جدارًا من الغربة، حتى صرنا نبتسم أحيانًا بسخريةٍ أمامه، لا لأنّه أقلّ شأنًا، بل لأننا لم نعد نعرف كيف نقرؤه.. من هنا كنت أدعو دائمًا إلى تخليص حاضرنا من ماضينا، لا بمعنى القطع معه، بل باختيار ما يضيؤه فقط، نحن لا نحتاج إلى كل ذلك الركام، بل إلى تلك البقع الضوئية الصغيرة المختبئة في ثناياه، التي يمكن أن تتحوّل إلى مفاتيح لفهم ما نعيشه اليوم، فلو أنصتنا للمتنبي خارج ضجيج بلاطات الأمراء، ومتطلبات الفخر والهجاء، لربما اكتشفنا فيه مفكرًا وجوديًا، يتأمل الإنسان ومصيره، ويتعامل مع الحياة بوصفها سؤالًا مفتوحًا لا قصيدةً مغلقة، ولو تأمّلنا معلقة زهير بن أبي سلمى بعيدًا عن سياقها القبلي الضيّق، لرأينا فيها درسًا عميقًا عن الحرب، وعن ثمن الدم، وعن عبثية القتال حين يصبح عادةً لا ضرورة، في أبياته ما يشبه نبوءةً أخلاقية تقول لنا إن النار التي نشعلها اليوم، سنمشي فوق جمرها غدًا، وإن الحرب حين تبدأ لا تنتهي عند حدود من أشعلها.
إن تعاملنا مع التراث بوصفه حكايةً للمتعة أو العظة فقط، جعلنا نضعه في خانة الماضي المغلق، بينما كان يمكن أن يكون أحد مفاتيح المستقبل، نحن لا نحتاج إلى حمل الماضي على ظهورنا، بل إلى حمل ضوئه فقط، إلى تلك الشذرات التي ما زالت قادرة على أن تفسّر قلقنا، وتضيء اختياراتنا، وتمنح حاضرنا جذورًا لا تُثقله، بل تثبّته في الأرض، لهذا، ربما حان الوقت لأن نعيد قراءة تاريخنا الشعري، لا كأطلالٍ نتباكى عليها، ولا كتمارين لغوية نكررها في المدارس، بل كخزانٍ من الرؤى، وكأن الشعراء لم يكونوا شهودًا على زمانهم فقط، بل رُسلاً خفيين للمستقبل، فالتاريخ، حين يُقرأ بعيون الحاضر، لا يكون ماضياً بل احتمالًا آخر لما يمكن أن نصير إليه.

