انتهت الانتخابات الرئاسية، وبدأ العالم الخارجي يتأقلم مع الحرب الدائرة رحاها في غزة. التأقلم لا يعني القبول بالضرورة، لكنه طبيعة إنسانية تتضاءل صدمتها بمرور الوقت. حرب البوسنة والهرسك، حرب العراق، حرب لبنان، الإرهاب في الجزائر، حرب السودان، حرب ليبيا، حرب روسيا في أوكرانيا، مسلمو الروهينجا، حروب القطاع المتواترة والحرب الحالية ليست استثناء.
الجميع تصيبه صدمة القتال، العنف مروع، والدماء تسفك على الهواء، والجميع ملتصق بالشاشات. ليس هذا فقط، بل يصاب البعض بالأرق بسبب القلق والتفكير المستمر فيما يجري. تمضي الأيام والأسابيع والشهور وربما السنوات، ويخفت الاهتمام لأن الناس - أي ناس- مضطرون للعودة إلى حياتهم الطبيعية، بمن فيهم الواقعون في براثن القتال أنفسهم.
كان الله في عون أهل غزة من المدنيين العزل، وكان الله في عون كل ضالع في محاولة إنهاء أو حتى تخفيف حدة الحرب. وللتذكرة، هذه الحرب دائرة رحاها على بُعد أمتار وليس كيلومترات من حدودنا الوطنية. وللتذكرة أيضاً، جزء كبير من المهام الكبرى التي يستهل الرئيس ونستهل بها معه فترته الرئاسية الثالثة هو حرب القطاع، وما ستسفر عنه من آثار ستلقى بظلالها علينا بشكل أو بآخر.
وبشكل أو بآخر، سنخوض معاً حرب الاقتصاد، لكنها حرب التكتيك والتدبير والتفكير، وليست من حروب الهبد والرزع. عوامل خارجية تواترت على رؤوسنا، بالإضافة إلى حفنة من الأسباب الداخلية، وجميعها قابل للحلحلة ولا أقول الحل الآني أو السريع.
وما أظهره المصريون من قدرة على التواؤم والتعايش والتحمل، بل وإعادة ترتيب أولويات القلق والغضب والانتقاد بعد تفجر حرب غزة، يعني أننا قادرون على اجتياز الأزمات مهما بلغت من فداحة. هذه القدرة مرتبطة أو مشروطة بوضوح الرؤى السياسية والاقتصادية للفترة المقبلة، ومصارحة القاعدة الشعبية العريضة بالخطط العلاجية ومداها الزمني وآثارها السلبية المتوقعة، والإيجابية التي سيشعر بها المواطن أينما كان.
توقعاتي أن يبدأ الرئيس السيسي الفترة الجديدة بحديث من القلب للقلب كعادته. سيصارحنا بأبعاد الموقف، ويخبرنا بما نتوقعه في الأشهر المقبلة. وكعادته أيضاً، لن يعطينا الرئيس آمالاً لا يمكن تحقيقها أو يعشمنا بأحلام لا طاقة لنا بتنفيذها على المديين القصير والمتوسط.
أحداث الأشهر القليلة الماضية أثبتت أننا نضجنا بقدر أكبر. وهذا النضج يحتاج قدراً أوفر من المصارحة، وكذلك زرع وتجذير وتقوية الوعي بالواجبات والمسؤوليات.
المواطن - أي مواطن- له حقوق وعليه مسئوليات أو واجبات، وحين يختل أحد الجانبين، تختل منظومة المواطنة برمتها، ويختل معها الوطن كله.
الفقر لا يعني غض الطرف عن عدم القيام بالواجبات. الفقر لا يعفي سائق «التوك توك» من مسؤولية السير عكس الاتجاه. والغنى لا يشفع لأغلى سيارات العالم من خرق قواعد السير. وقلة موارد الدول لا تعني تخليها عن ضمان حقوق كل من الفقير والغني، وهو ما يسميه الخبراء مبدأ تكافؤ الفرص للجميع في ظل العقد الاجتماعي.
رأيي أننا في مصر في حاجة إلى إعادة إحياء مبدأ وفكرة «العقد الاجتماعي». إنه ذلك الاتفاق الضمني بين أفراد المجتمع، والذي يدور حول تحديد علاقتهم بعضهم ببعض، وكذلك مع الدولة. وليس هناك أفضل من البدايات، بداية الفترة الرئاسية الجديدة لتدشين أو التذكير بالعقد الاجتماعي.
الفترة الرئاسية الجديدة ليست سهلة، بل يمكن القول إنها الأصعب مقارنة بما سبقها. واجهت مصر حربها ضد الإرهاب، ومعركتها في مواجهة جماعات الشر السياسي ومن معها من قوى إقليمية ودولية، وقائمة المخاطر الداخلية والخارجية في أعقاب سنوات ما بعد أحداث يناير 2011، ثم يونيو 2013، وهي القائمة التي تشابكت فيها خيوط السياسة بالاقتصاد بالإرهاب بالثقافة بالمشكلات المعيشية والمجتمعية، وأبلت مصر ورئيسها بلاءً حسناً.
اليوم تواجه مصر ورئيسها قائمة مختلفة من التحديات. التوليفة هذه المرة أكثر تعقيداً، وتحتاج من الجميع قواعد جديدة تناسبها وتناسب المرحلة. نطلب من الرئيس العمل على التهدئة من حجم الترقب والقلق الشعبيين. مصير حرب غزة وانعكاساتها علينا، ومعها ملف الاقتصاد والخطوات المتوقعة في الفترة المقبلة، لا سيما أن بوادر قدر أكبر من التفاهم ومساحة أوسع من التواؤم تلوح في أفق مؤسسات مالية عربية وعالمية فيما يختص بمصر. ماذا نتوقع؟ وما الأفضل لنا؟ وما المساحة المعقولة والمنطقية التي يمكن أن تتقابل فيها مطالب المواطنين وأسقف توقعاتهم مع قدرات الدولة الواقعية والحقيقية؟
وفي القلب من كل ذلك، الوضع الآني في سد النهضة، والذي يلخصه بيان مصر: «مصر ستراقب عن كثب عملية ملء وتشغيل سد النهضة، وستحتفظ بحقها المكفول بموجب المواثيق الدولية للدفاع عن أمنها المائي والقومي في حالة تعرضه للضرر».
مصر والمصريون والرئيس «قدها وقدود»، والتاريخ والحاضر خير برهان ودليل.

