الحرية من أكثر المفاهيم اختلافاً وطرحاً حيث لم يتم الاتفاق على دلالة واحدة لها، فالكل يضعها في قالب فلسفي يربطه أحياناً بالأخلاق، وتارة بالعقيدة، وأخرى بالسياسة، ومرة بالمجتمع والذات تحرير هذا المصطلح تنطلق منه المجتمعات والتحزبات لصناعة اتساق أيديولوجي وثقافي يتماهى وأهواء تلك المجتمعات واتجاهاتها العقائدية والأخلاقية والفكرية؛ فالكل يعرفها بما يجده مناسباً لحركة معيشته فلا أساسيات رصينة وراسخة يمكن تثبيتها فيتفق عليها الجميع.
وحتى حدود الحرية تكون منفلتة بشكل سافر حين تمثل في كنهها أنها عكس القيد فيظن الكثير أن الحرية صك لفعل ما يريد كما يريد وقتما يريد وفي نفس الوقت لا يسمحون للطرف الآخر بممارسة سلوك الحرية كما يرونها.
قد يكون المشهد أن تُحرق ورقات مصحف طبعت عليه آيات وقرآن الله الكريم المنزل مرتلاً فهو حرق لا يتجاوز ورقات في شكله المفعول ولن يحرقوا آية واحدة أو حتى مفردة قرآنية في أصلها ولكن في ظاهرها هو حرق ساخن لمفهوم الحرية وبرهان شاهد على هشاشة مفهوم الحرية لدى تلك المجتمعات الضيقة والمتحررة من كل وازع يمثل الأخلاق القويمة فلا غرو أن تجد في مجتمعات تباح فيها المثلية أن تقزم الحرية ومعناها المعقول على الأقل فلا يفهم منها إلا أن تفعل ما تريد كيفما تريد وقتما تريد. الكل شاهد إصرار أولئك المتأزمين في تلك البلاد الملونة على حرق المصحف أمام الجميع وبإذن أمني وبحماية الأمن نفسه ذلك باسم الحرية أن تسخر برسوم، وتحرق مصاحف دون مراعاة للجانب الأخلاقي والثقافي والعقائدي للغير فذلك ليس بحرية بل ميول سيكوباتية متعجرفة تلبس رداء الحرية لتخلع القيم، وتحرق العقول.
التوجيه الرباني كفل للمسلم حرية العيش بنظام شرعي معتبر محكور بالثواب والعقاب لحكمة عظيمة تتجلى في ضبط المسلم سلوكاً وفعلاً وقولاً وعبادة، فصارت حريته مكفولة بقيم الدين وتعزيز مكارم الأخلاق والنهي عن سب عقيدة الآخر لكي لا يتشكل العداء، وتحدث الخصومة، وتنتشر الكراهية وتبنى العلاقات على سب هذا والرد عليه فيسب دينك. لن تجد مسلماً قد يحمل كتاباً يقدسه غير المسلم ويحرقه بإذن أمني أمام الناس ووسائل الإعلام لكي يقول ها أنا ذا موجود ولا أبالي مادمت حراً وبلدي تلك تكفل لي فعل ما أريد ويتبادر للذهن لماذا فعل حرق المصحف تطلب إذناً وبحماية مادام الأمر مرتبطاً ببساطة بالحرية المطلقة لأفراد ذلك المجتمع لماذا لم يفعلها ذلك الشخص الخاسر باسم الحرية الشخصية بدون خطابات رسمية.. مؤكد لاستشعارهم أن ما يمارس هو باطل، وأمر لا علاقة للحرية الشخصية النافعة بل هي رسائل استعداء هم يطالبون دوماً بنبذها وهم يمارسونها.
ولماذا يكرر هذا الأمر ما بين رسوم مسيئة، وحرق مصاحف، ومعادة العقائد؟ ولماذا الأمر دوماً يتعلق بالمسلمين..؟ هل سمعتم أنه حاولوا حرق الـ تيبيتاكا أو الـ تيرافادا ككتب مقدسة عند البوذيين أو كتاب الهندوس الـ البهاغافاد غيتا وغيرهم من المذاهب العقائدية الوضعية؟
واقع تلك الدول في فهمهم للحرية واقع مزرٍ جداً، والعالم أصبح يدرك حقيقتهم المغلفة بالتحضر أن باطنها حقد دفين، وتعصب مقيت والمسؤولية تقع على عاتق من يعزز اتجاهات الكراهية والتفرقة والعنصرية في تلك المجتمعات وإعلامها المائل ويبقى القول: حرق مصحف أو عمل رسوم مسيئة هما استفزاز لمشاعر ومحببات المسلمين، ولا يوجد في الحرية المسؤولة أنك تفعل ما تشاء حتى لو استفززت الآخر وأثرت غضبه، وأشعلت الكراهية هناك للأسف لا يدركون ذاك، فلو تعرضوا لفعل معاكس يستفزهم لوجدتهم في حالة صراخ وضجيج إعلامي. ويبقى دورنا تعزيز قيمة حرية الآخر في إطار المسؤولية والإنسانية والأخلاقية، ولن يضرنا فإن حرقت أوراقاً فالذكر الحكيم محفوظ.

