: آخر تحديث

السودان التعايش الاجتماعي - الثقافي والتسامح السياسي

3
2
4
مواضيع ذات صلة

يجري النقاش في هذه الأيام عن واقع التسامح في السودان، كواحدة من السجايا التي اختص بها المجتمع السوداني عبر أجياله المتعاقبة.

فقد ربطت الدراسات الاجتماعية والإنسانية التسامح بأبعاده الاجتماعية والثقافية والحضارية والإنسانية بالمجتمع السوداني، مبرهنة على قدرته على التسامح والانفتاح والتعايش السلمي، وهذا ما كان له أن يكون دون تربية اجتماعية وثقافية وفكرية واثقة بالذات.

فالتسامح في السودان له جاذبية خاصة وبالذات بعد أن أصبح التسامح جزءاً من السلوك الاجتماعي،

ففي دراسة للدكتور محمد الفاضل اللافي، أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان بالمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في باريس، تناول فيها السودان كنموذج للتعايش الحضاري بين الثقافات والديانات المختلفة. مؤكداً على تميز التاريخ الديني والاجتماعي بطابع السلم والتعايش الاجتماعي، ضارباً مثلاً بحالة التزاوج بين الأسر السودانية رغم اختلاف الدين، فقد كان يحدث في جنوب السودان أن تتزوج مسلمة بمسيحي أو وثني، وأن يوجد في الأسرة نفسها اختلاف ديني بين الأبناء، فمنهم من يعتنق الإسلام ومنهم من يعتنق المسيحية، إذ لم يكن العامل المحدد في العلاقة هو الدين بقدر ما كانت علاقة التواصل والتعاون والمشاركة والمصلحة هي المحدد في التفاعل والتلاحم والتمازج.

فتواصل العلاقات الاجتماعية وتبادل المصالح والمنافع في المجتمع السوداني بمختلف تركيباته الاجتماعية والثقافية والعرقية يشكل قاعدة كبرى في تحقيق معنى المصالحة الوطنية وتوطين دعائم البنية الداخلية السودانية.

ولقد زاد رسوخاً اعتقاد الأغلبية بأن وحدة السودان تكمن في توفير قدر معتبر من احترام المبادئ الدينية والخصائص الثقافية والاجتماعية، وأن يتم التفاعل بأسلوب حضاري سلمي وتلقائي على أساس التسامح والتعايش وعفوية التفاهم الاجتماعي.

فالواقع السوداني ينزع نحو الاعتراف والمعايشة لأن كل تكوينات المجتمع وجدت على هذا الأساس، فأوجه التعبير عن الحياة الثقافية مع تنوعها وحيويتها تصب في نهاية المطاف في اتجاه إعلاء القيم وتقوية الشعور الوطني والتكامل والترابط بين الناس والتمازج والتوحد.

فالمجتمع السوداني في أصوله الروحية والثقافية والفكرية مجتمع توحيدي يتجسد في الكيانات الثقافية والعرقية، والتي شكلت في النهاية خصائص الشخصية الحضارية السودانية.

فالهوية الثقافية للمجتمع السوداني نتاج للتنوع والتمازج بين الأصول الإسلامية والعربية والإفريقية، تصوغ من التنوع والتمازج ثقافة سودانية واحدة.

ولكن الحالة السودانية اليوم تدعو عملياً إلى إعادة النظر في مصطلح التعايش والتسامح، إذ لم يعد يصدق بشكل قطعي على الواقع السياسي السوداني وبالذات بين النخب السياسية، وهي حالة قادمة من السياسة وذلك لعلاقة السياسة بالنزعة الاستئثارية والسلطة، وهي ما جعلت السودان يخرج من نفق إلى آخر بسبب متاهات السياسة، فالخطأ الذي وقعت فيه النخب السياسية والعسكرية في السودان هو ارتباط سياساتها وبرامج التخطيط فيها بكيفية التسيّد واقتسام السلطة بعيداً عن قضايا الوطن.

فقيام العنف والنزاع المسلح بين المكون العسكري في مجتمع مفتوح أمام مختلف التركيبات السياسية والقبلية والدينية إلى جانب امتداد حدوده على دول يحدث في بعضها نزاعات سياسية - عسكرية ما يشجع إمكانية الانفجار الاجتماعي الإقليمي الذي لا يعرف له نهاية واضحة، وهذا من أخطر المشكلات التي يمر بها السودان اليوم.

فأمام هذا الحراب المفزع والخطير في السودان الذي لا يتفق وطبيعة المجتمع السوداني يتحتم على النخب السودانية المثقفة أن تأخذ بزمام المبادرة بكل شجاعة ومسؤولية لحماية هذا الكيان البشري من الانقسام والتفتت، حيث إن البلاء إذا نزل عم الجميع ولا يستثني أحداً صغيراً كان أم كبيراً، عالمًا أو جاهلًا، متطرفًا أو معتدلًا، بل سيكون سيلاً جارفًا يأخذ في طريقه كل شيء، فغياب التسامح السياسي أخطر ما يواجه السودان.

ولكن على السودان أن يتبنى استراتيجية جديدة بالانفتاح التام على التيارات الاجتماعية والسياسية والثقافية للوقوف في وجه هذا العداء الخطير، ورفض كل أشكال الانقسام والتشديد على وحدة السودان، والتركيز على فلسفة التسامح السياسي، والتي هي سمة بارزة من سمات المجتمع السوداني، وتمثل الخصوصية السودانية التي يفاخر بها السودانيون ويعدونها من خصائصهم وثوابت شخصيتهم.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد