: آخر تحديث

الحرب في أوروبا وألعاب الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين

7
7
6
مواضيع ذات صلة

الاهتمام بالفيلسوف النمساوي ـ البريطاني الكبير لودفيج فيتجنشتاين لا يزال في أوجه رغم مرور أكثر من سبعة عقود على وفاته. ولدى كثيرين، يعد هذا المفكر البارع أكثر الفلاسفة تأثيرا في القرن الـ 20. وفي مستهل القرن الـ 21، قل الاهتمام به، حيث رأى الباحثون، ولا سيما في العلوم الاجتماعية والإنسانية، أن طروحاته لم تعد تعكس واقع الحال والتطورات المذهلة التي أحدثتها الثورة الخوارزمية حيث غيرت أسلوب الحياة والتواصل على عقب.

كانوا مخطئين حقا، لأن فلسفة فيتجنشتاين لا تزال تصرخ في وجهنا بأن الحياة ما هي إلا لعبة مثل الألعاب اللغوية التي استنبطها، ومن خلالها علمنا أن دور المفردة في العبارة أو الجملة يقررها سياقها ومحيطها والثقافة التي ترد فيها وليس كما يرد معناها في المعجم.

شخصيا، استفدت كثيرا وما زلت من قراءتي لهذا الفيلسوف الفلتة، الذي كان يصبو الكمال حتى عند كتابته لجملة واحدة، وحدث أن أخر طبع كتبه أو أبحاثه ليس أشهرا بل أعواما وهو يراجعها لكي تخرج بحلة ووضع لا يمكن فيه استبدال كلمة بدلا من أخرى في أي جملة كانت. من العسر في مكان، لا بل من المستحيل، أن ألخص فكر فيتجنشتاين، فهو كتب كثيرا في الموسيقى واللغة ومفاهيم اجتماعية وفكرية وسياسية.

في اللغة، يعد حجة، وهو يأتي في قمة قائمة فلاسفة اللغة. وفي الموسيقى، له شأن كبير لا يقل عن مكانته في اللغة. وسأحاول في مقالنا لهذا الأسبوع شرح كيف يفلسف فيتجنشتاين مستندا إلى ألاعيبه اللغوية. وما هي ألاعيب فيتجنشتاين اللغوية يا ترى؟ شرحها ليس يسيرا. كتابات فيتجنشتاين عسيرة الهضم، لكنني سأحاول عسى أن أفلح من خلال أمثلة حية، مستندا فيها إلى سردية الخطاب الذي يرافق الحرب في أوروبا والتي ساحتها أوكرانيا.

هذه الحرب ليست مثل أي حرب شهدها العالم منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها من حيث خطورتها على مستقبل أوروبا من جهة والعالم بأسره من جهة أخرى.

فيتجنشتاين لا يلعب باللغة ـ المفردات أم العبارات أم الجمل. قراءة فيتجنشتاين وكأنه نحوي أو عالم لغة قراءة خاطئة. فيتجنشتاين يتلاعب بأفكارنا وإنسانيتنا ووجهات نظرنا وثقافتنا. إنه يعرينا كبشر ويظهر أن من خلال الألاعيب اللغوية التي اخترعها، يميط اللثام عن مكنونات لما تمكنا من الوصول إليها.

ولكي أقرب كيف تعمل ألاعيب فيتجنشتاين، سأسرد في أدناه مثالا كتبته "من عندياتي"، وهو يتألف من شقين، "أ" و "ب".

الشق الأول "أ" يخص تدخل "حرب" روسيا في أوكرانيا ويستند إلى السردية السائدة في الغرب "أمريكا وحلفائها"، وهي سردية بالنسبة إلى الإعلام والواقع السياسي في هذه الدول ليست مقبولة فحسب، بل حقيقة يجب العمل على ترجمتها إلى أرض الواقع.

الشق الثاني "ب" يخص تدخل "حرب" الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق. رغم أن الجمل هي ذاتها، فإن تغيير الاسم "الفاعل" فقط يغير السردية، ويدخلنا في واقع جديد، رغم أنه مماثل من حيث الفعل. هذه لعبة لغوية، تضعنا أمام واقعين مختلفين كل الاختلاف، رغم تساوي الوقع. السبب لأن "الفاعل" مختلف:

شنت روسيا غارات جوية على أهداف مدنية في كييف.

قصف الأهداف المدنية يعد جريمة حرب.

إذن يحاكم من تسبب في هذه الجريمة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد