: آخر تحديث

الصندوق السّعودي – الفرنسي: هل يثبت الفرنسيّون على المقاربة المشتركة في لبنان؟

19
18
26
مواضيع ذات صلة

لا شك في أن الإعلان عن إطلاق "الصندوق السعودي – الفرنسي لمساعدة الشعب اللبناني" يمثل في ما يمثل، المقاربة الجديدة التي تشكلت في الأشهر القليلة المنصرمة في كل من الرياض وباريس، بعدما التقت المقاربتان للشأن اللبناني إلى حد بات من الممكن معه أن تبادر العاصمتان المعنيتان كثيراً بتطور الحوادث في لبنان، إلى عمل مشترك لمواجهة الأزمة المالية – الاقتصادية – الاجتماعية التي يعانيها.
 
ولقد كانت القمة الفرنسية - السعودية التي جمعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان نقطة الانطلاق الفعلية للمقاربة المشتركة الجديدة. فقد رسّخت هذه القمة قراءة مشتركة للوضع في لبنان، في مرحلة من أدق المراحل التي يمر بها، أكان على صعيد الوضع السياسي، أم على صعيد العلاقات اللبنانية – العربية التي تأزمت إلى حد بعيد في أعقاب التصريحات المسيئة التي أدلى بها وزراء لبنانيون بحق المملكة، بالتزامن مع مضي "حزب الله" (الذراع الإيرانية) في لبنان في استخدام الساحة اللبنانية منصة للاعتداء على دول مجلس التعاون الخليجي على شتى المستويات: العسكرية، الأمنية، الإجرامية والإعلامية.
 
فالقطيعة الدبلوماسية التي تعرض لها لبنان الرسمي جراء استدعاء السفراء الخليجيين من بيروت، اعتُبرت محطة مفصلية في الحالة السلبية التراكمية التي ظللت علاقات لبنان بالحاضنة العربية. وقد أدرك ذلك الفرنسيون الساعون إلى لعب دور في لبنان، بتقديم المساعدة للشعب اللبناني، ومحاولة منع الانفجار الكبير الذي تهدد الكيان اللبناني.
 
ونفوذ فرنسا لدى المؤسسات المانحة الدولية مهم، لكنه لا يمكن أن ينتشل لبنان من الهوة السحيقة التي وقع فيها. وحده العمل المشترك بين المجتمع المالي الدولي والحاضنة العربية التي تقودها المملكة العربية السعودية تاريخياً، بإمكانه أن يمنع الانفجار في لبنان، تمهيداً لانتشاله من الهوة السحيقة. والأهم أن هذا العمل المشترك مؤهل، إذا ما التزم الجانب الدولي، وفي مقدمته فرنسا والولايات المتحدة، لإنقاذ لبنان مما يراد له أن يصير.
 
والخطر الكبير يكمن في تمدد السيطرة الإيرانية عبر "حزب الله" على كل مفاصل الدولة اللبنانية، وتغلغل الحزب المذكور في صلب خصوصية المكونات اللبنانية التي تشكل مجتمعة ومتنوعة النسيج اللبناني الفريد في هذا الشرق.
 
 لقد شكلت القمة الفرنسية – السعودية، و"بيان جدة" الذي صدر عنها منعطفاً جاء ليحرف التوجه الفرنسي البراغماتي الذي بدا أنه آخذ في الاقتراب أكثر من "حزب الله" والمشروع الإيراني في لبنان. فالرئيس الفرنسي الشديد البراغماتية مال في المرحلة التي تلت تلاشي مبادرته التي أطلقها في الأول من أيلول (سبتمبر) 2012 إلى تكثيف اتصالات مبعوثيه ودبلوماسييه مع مسؤولين من "حزب الله"، مستنداً إلى نظرية مفادها أن هؤلاء ممثلون في مجلس النواب والحكومة، ويتمتعون بنفوذ لا يمكن الالتفاف حوله، من هنا لا بد من التواصل معهم للتحاور. لكن ما غاب عن الرئيس ماكرون في المقاربة هذه، أنه عندما تفاهم مع الإيرانيين، بعد مؤتمر دول الجوار العراقي في بغداد نهاية الصيف المنصرم، كان يمنح في مكان ما إجازة أوروبية للنفوذ الإيراني. ونعني بإجازة، أنه اعتراف بالنفوذ الإيراني، وبغلبة "حزب الله". وقد ظهرت غلبة ذراع إيران في لبنان في تركيبة الحكومة اللبنانية الحالية التي يرأسها نجيب ميقاتي. فغالبية الوزراء يدينون إما مباشرة أو بشكل غير مباشر لـ"حزب الله"، فيما كان رئيس الحكومة خياراً فرنسياً ناسب الإيرانيين لاعتبارات معروفة. 
 
"بيان جدة" الفرنسي – السعودي تضمن نقاطاً عدة، تناولت الوضعين السياسي والاقتصادي في البلد، وتشديداً على قضايا تعتبرها الرياض جوهرية، وقد واكبتها باريس فيها سياسياً بمطالبة لبنان بـ"اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بالإصلاحات الشاملة ومكافحة الفساد، وبسط السيطرة على سيادته ومؤسساته كافة، ومنع "حزب الله" الإرهابي من ممارسة نشاطاته الإرهابية واحتضانه ودعمه التنظيمات والميليشيات الإرهابية المزعزعة للأمن والاستقرار في الدول العربية لتنفيذ أجندات دولية وإقليمية”.
 
وشددت القمة على "أهمية تعزيز دور الجيش اللبناني، وضرورة حصر السلاح بمؤسسات الدولة الشرعية، والتشديد على مراقبة الحدود، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بردع تهريب المخدرات من خلال الصادرات اللبنانية تجاه المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون". واستنكرت في الوقت ذاته "استمرار التصريحات المسيئة تجاه دول مجلس التعاون وشعوبها، وإقامة مؤتمر صحافي في بيروت تعرض لمملكة البحرين". 
 
اقتصادياً، تضمن البيان ضرورة أن تشمل الإصلاحات في لبنان قطاعات المال والطاقة ومكافحة الفساد ومراقبة الحدود. 
 
كما اتفق الجانبان على "إنشاء آلية سعودية - فرنسية للمساعدة الإنسانية (...)، وعزمهما على إيجاد الآليات المناسبة بالتعاون مع الدول الصديقة والحليفة للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني".
 
يمكن اعتبار هذه القمة والبيان الذي صدر عنها بمثابة أساس التحول في المقاربة الفرنسية التي التقت مع المقاربة السعودية للأزمة اللبنانية. ويمثل إنشاء الصندوق السعودي - الفرنسي لمساعدة الشعب اللبناني بعد أقل من يومين على إعادة انتخاب الرئيس ماكرون لولاية رئاسية ثانية، إعلاناً من الطرفين بمواصلة العمل المشترك في لبنان. لكن السؤال المطروح هو: إلى أي مدى ستتمسك باريس بكل مندرجات "بيان جدة"، لا سيما تلك المرتبطة بنفوذ "حزب الله" وسلوكه انطلاقاً من لبنان؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد