لعل التاريخ يتذكر الصراع الأوكراني على أنه الحرب قبل الحرب، أي الصراع الذي سبق انفجارات أخرى أكثر حدة في القرن الواحد والعشرين الحافل بالاضطرابات.
إيلاف من بيروت: كما هو الحال مع روسيا، قد لا ترغب دول الخليج العربي في مواجهة بكين إذا اندلع الصراع في آسيا، ولكن على واشنطن تذكيرها بأنه حتى الإجراءات المالية الضيقة قد تسهم في التصدي لأي تحركات صينية ضد تايوان.
يقول مايكل سينغ، وهو زميل أقدم في زمالة "لين- سويغ" والمدير الإداري لمعهد واشنطن ومدير "برنامج مؤسسة دايين وغيلفورد غليزر" حول "منافسة القوى العظمى والشرق الأوسط"، في مقالة له نشرها موقع معهد واشنطن: "عندما بدأت روسيا مساعيها لغزو أوكرانيا قبل عام من الزمن، كانت جميع الأسباب تدعو للاعتقاد بأن الحصيلة النهائية ستكون كارثية على الغرب. فقد كانت موسكو متفوقة على كييف بعتادها وعديدها. ولم يفعل الغرب الكثير رداً على عمليات الاستيلاء الروسية السابقة على الأراضي في جورجيا في عام 2008 وأوكرانيا في عام 2014، وكان الاقتصاد الأوروبي مستعبداً للطاقة الروسية. وإذا حدث أن استجمعنا بشكل ما الشجاعة الكافية للرد، فمن المؤكد أن النتيجة ستكون حرباً بين الناتو وروسيا وربما حرباً نووية، أو هكذا ساد التفكير في ذلك الوقت".
فوائد غير متوقعة
بحسبه، سارت الأمور بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا أكثر مما كان يأمله أي شخص في هذا الوقت من العام الماضي، بفضل الشجاعة الأوكرانية في ساحة المعركة والجبهة الداخلية، وربما المستوى المفاجئ من التصميم الغربي والمساعدة المادية. والحرب، على الرغم من كل مآسيها، قد تحمل فوائد غير متوقعة للأمن القومي الأميركي، إذ كشفت الكثير عن نقاط قوة الغرب ونقاط ضعفه. وأهم الدروس المستفادة هو أن الغرب يملك ما يلزم من الإرادة والقدرة للوقوف بوجه قوة نووية عازمة على توسيع رقعة أراضيها.
يقول سينغ إن على الولايات المتحدة وشركائها عدم الاكتفاء بالتخطيط لفرض ضغوط اقتصادية على الصين، "بل عليها التخطيط أيضاً لحماية نفسها من نفوذ بكين الاقتصادي بحد ذاته، وعلى واشنطن أن تركز أولاً على العوامل المؤثرة بهذا الصدد، مثل استخراج المعادن الأرضية النادرة التي تعتبر حيوية لقطاعات الدفاع والتكنولوجيا الفائقة وتعتمد بشكل شبه كامل على سلاسل التوريد الصينية التي سيكون من المستحيل استبدالها بسرعة في وقت الصراع. ومثل هذه الخطوات مجتمعة، لن تعزز فقط الاستعداد الغربي للرد على تحرك صيني في تايوان، بل تردع بكين مثالياً عن القيام بهذه المحاولة".
معنا أو ضدنا
يضيف أن مشكلة ضم دول عدة إلى جانب الولايات المتحدة، بما في ذلك القوى الجوهرية مثل تركيا والهند والسعودية، في صراع يشمل الصين قد تكون أكثر صعوبة، بالنظر إلى الدور المهيمن لبكين في التجارة العالمية، "وسيتطلب إقناعها التخلي عن فكرة ’معنا أو ضدنا‘ أو التحالفات القائمة على القيمة وبدلاً من ذلك تحديد الإجراءات الأضيق التي يمكنها اتخاذها، والتي تخدم مصالحها بدلاً من تقويضها. كما أن توضيح العواقب الاقتصادية للصراع في آسيا قد يدفعها إلى حث بكين على الإحجام عن أي تحرك ضد تايوان. وفي حين أن دولة غنية مثل الإمارات العربية المتحدة قد تتردد في إدانة بكين على نطاق واسع، إلا أنها من المرجح أن تموّل مناجم الأرض النادرة، ومرافق تصنيع الرقائق، والمشاريع المماثلة خارج الصين قبل أي صراع - وهي خطوات ستعني أكثر كثيرًا من أي تصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة".
الدرس الرئيسي الثاني من حرب أوكرانيا هو أن جيوش الغرب لم تكن مستعدة لها. إن الحقيقة المرة هي أن قطاع الدفاع الأميركي لن يكون مستعداً لصراع في آسيا حتى بدون تحويل العتاد إلى أوكرانيا، إذ تشير المناورات الحربية الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة ستنفذ من الذخائر العالية الدقة في غضون أسابيع قليلة من أي حرب مماثلة. وحتى إذا تم تجديد القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية، "فإن ذلك لن يكفي لتزويد الغرب بالإمدادات اللازمة عند نشوب أكثر من صراع ضخم واحد"، كما يقول سينغ.
يختم سينغ مقالته بالقول: "لعل التاريخ يتذكر، بعد عقود من الزمن، الصراع الأوكراني على أنه الحرب قبل الحرب، أي صراع استبق انفجارات أخرى أكثر حدة في القرن الواحد والعشرين الحافل بالاضطرابات".
أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن مقالة كتبها مايكل سينغ ونشرها موقع "معهد واشنطن"


