سادت حالة من الجدل بين علماء دين ومنظمات معنية بحقوق المرأة في مصر على خلفية مقترح بتقنين تعدد الزوجات إلا في حال الضرورة الملحّة، وهو المقترح المقدم من الأزهر في قانون الأحوال الشخصية الذي يقوم بصياغته حاليًا.
إيلاف من القاهرة: تعكف هيئة كبار العلماء في الأزهر خلال الفترة الراهنة، على مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية، والذي يتضمن مقترحًا لتقنين تعدد الزوجات إلا في حال الضرورة الملحّة، وذلك وفقًا لما نُسب إلى محمود مهنا، أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء.
صياغة أكثر من 110 مواد
كان شيخ الأزهر قد أصدر قرارًا في 18 أكتوبر من العام 2017 بتشكيل لجنة لإعداد مقترح مشروع قانون لتعديل بعض أحكام القوانين المصرية المتعلقة بالأحوال الشخصية؛ لضمان توسيع نطاق الحفاظ على حقوق الأسرة المصرية.
بدأت اللجنة أول اجتماعاتها برئاسة الدكتور أحمد الطيب، في نهاية أكتوبر من العام نفسه، بعدما وضع "الطيب" الخطوط العريضة لعمل اللجنة، والتي كان أبرزها التأكيد على أن يتضمن مشروع القانون: آلية محكمة لتنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بقضايا الأسرة، ومراعاة تقديم نفقة عادلة للمرأة في حالة الانفصال؛ بما يضمن رعاية جيدة للأطفال، ووضع نصوص محكمة للالتزام بضوابط الحضانة، ومعالجة المشاكل الناتجة من تعدد الزوجات، وضبط الحقوق والواجبات المترتبة على الطلاق.
عقدت اللجنة منذ بدء عملها في أكتوبر من العام الماضي أكثر من 30 اجتماعًا، انتهت خلالها من صياغة 110 مواد من مواد القانون، الذي يجمع للمرة الأولى أحكام الأحوال الشخصية والأسرة في إطار نسق قانوني واحد، يتسم بالشمولية والتجانس.
لمكافحة العنوسة
ومنذ عامين برز موضوع تعدد الزوجات في الشارع المصري، حيث دشّن عدد من الفتيات صفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يطالبن بضرورة قبول تعدد الزوجات للقضاء على العنوسة في مصر، وهو ما لاقى استحسان البعض.
تزامن ذلك مع خروج فتاوى عديدة مؤيدة لهذا التحرك من قبل علماء دين في التيار السلفي وبعض رجال الأزهر، حيث أصدروا فتاوى تؤيد فكرة تعدد الزوجات للقضاء على أزمة العنوسة في مصر، فطالب رئيس لجنة الفتوى السابق في مصر بضرورة قيام كل رجل غني قادر بالإقبال على تعدد زوجاته حتى الزوجة الرابعة، بحيث يتكفل بالزواج بإحدى قريباته أو جاراته التي لم تتزوج بعد، معتبرًا أن ذلك نوع من الضرورات التي أجازها الشرع.
عقوبات رادعة
في سياق متصل، قالت نهال فايز، عضو المنظمة المصرية لحقوق المرأة: "إن المشروع المقترح من قبل الأزهر الشريف بشأن تقنين تعدد الزوجات يعد خطوة مهمة في تحقيق العدل والمساواة بين الرجل والمرأة داخل المجتمع المصري".
وناشدت فايز مجلس النواب بضرورة الموافقة على مقترح قانون الأزهر بشأن تحديد تعدد الزوجات، وعدم الالتفات إلى انتقادات التيارات السلفية المتشددة المعترضة على القانون، مطالبةً بضرورة أن يتضمن قانون الأحوال الشخصية الجديد نصًا يفرض عقوبة الحبس والغرامة المالية بحق الرجل الذي يتزوج بدون حاجة ملحّة إلى ذلك، ويعطي الحق للزوجة برفع دعوى قضائية ضد زوجها تثبت مخالفة الزوج للقانون.
مصلحة الأسرة أساسًا
قال الشيخ جمال رافع، عضو لجنة الفتوى في الأزهر: "إن الأزهر يعمل دائمًا على مصلحة الأسرة المصرية، وبالتالي كان من الضروري أن يتضمن تعديل قانون الأحوال الشخصية الجديد كل ما يفيد الأسرة ويحقق استقرارها، ومن هذا كان البحث عن علاج لأزمة تفكك الأسر والأولاد، بسبب تعدد الزوجات في مصر، والسماح بأن يكون التعدد في الضرورة فقط ينطبق تمامًا مع الشريعة الإسلامية، وما نص عليه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة".
وأكد عضو لجنة الفتوى أن الإسلام لم يبح التعدد في المطلق؛ لأن أي رجل لن يستطيع العدل في حبه لأكثر من امرأة، لكون طبيعته وفطرته كإنسان ستجعله يميل إلى امرأة دون الأخرى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قلبه كان يميل إلى زوجته السيدة عائشة، رضي الله عنها، وكان يتضرع لله قائلًا: "يا رب لا تؤاخدني في ما لا أملك"، وكان يقصد قلبه، فكيف لإنسان عادي أن يعدل بين امرأتين؟!.
موافقة الزوجة الأولى
من جانبها، أكدت آمنة نصير، أستاذة الفلسفة والعقيدة في جامعة الأزهر وعضو مجلس النواب، أن الإسلام مع تحديد الزوجات، فالأصل هي الزوجة الواحدة.
أضافت نصير أن هناك شروطًا مشددة للسماح للرجل بالزيجة الثانية، متمثلة في وجود علة أو مرض في الزوجة تمنعها من الإنجاب، أو تخلّ بالعلاقة الزوجية، أو استحالة الحياة مع الزوجة. أما التعدد لمجرد وجود أكثر من امرأة على ذمة الرجل أو للقضاء على العنوسة، فلا وجود له في الشريعة الإسلامية.
وقالت نصير: "إن فتاوى التعدد في الزوجات مغلوطة، وليست من الإسلام، بل إن الإسلام يشترط على الرجل أخذ موافقة زوجته الأولى على الزيجة الثانية، فكيف يكون الأمر إذًا مباحًا؟".
قرار مرفوض
فيما تحفظ الشيخ خالد الشربيني، أحد علماء الدعوة السلفية، على مقترح الأزهر بتحديد الزوجات، قائلًا: "إن التعدد حق شرعي كفله الدين للرجل، شرط العدل بين الزوجات، ومقترح الأزهر يخالف شرع الله في إباحة الزواج بأكثر من واحدة".
أضاف أن المرأة المتضررة من زواج الرجل بأخرى أعطاها القانون حرية الخلع من الزوج، وبالتالي فإن حق الزوجة والزوج محفوظان، فلا داعي للخروج بتشريعات تخالف الشرع وتسير على نهج دول أخرى.
وتوقع الشربيني رفض البرلمان إقرار تلك المادة على غرار رفض قانون منع النقاب، لكون مقترح الأزهر يزيد الفتنة داخل الشارع، ومن الصعب تطبيقه عمليًا، كما إنه مخالف لنص المادة الثانية من الدستور، والتي نصت بأن الشريعة الإسلامية مصدر التشريعات.


