مراكش: بحضور ثلة من أصدقائها و رفاقها و أفراد عائلتها ، نظمت شبكة الصانعات التقليديات بالمغرب بتعاون مع وزارة الثقافة و الإتصال حفلا تكريميا للباحثة المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي بـ "دار المعلمة" بمراكش، مساء السبت. اللقاء، الذي تخلله معرض للزرابي (حوالي 200 زربية) تركتها المرنيسي، عرف حضورا وازنا لرفاقها و أصدقائها و بعض الصانعات التقليديات اللواتي حضرن و قدمن شهادات حية في حق امرأة، انخرطت في الدفاع عن الصانعات، لإيمانها بأن "الصنعة" كنز في يد هؤلاء النسوة، ينبغي حفظه من الإندثار ونقله للأجيال اللاحقة.
امرأة بصيغة الجمع
"من الصعب اختزال فاطمة المرنيسي في بضعة أسطر أو كلمات.. هي امرأة متفردة بكرمها وعطائها الإنساني الذي لا ينضب وبشغفها للإطلاع و المعرفة، بالإضافة إلى انخراطها قي قضايا مجتمعها.." هكذا تحدثت عنها صديقتها الدكتورة حليمة مروان بنبرة حزينة، وهي تسرد محطات هامة من حياة الراحلة، توزعت بين اهتمامها بالمعرفة و انشغالها بالكتابة، وبين حبها ل"الصنعة" واهتمامها بالتعدد الثقافي للمغرب. لم تكن فاطمة تكتفي باكتساب المعارف، تؤكد صديقتها، بل كانت تحرص على تمرير تلك المعارف للآخرين دون التقليل من أهمية معارفهم. كرمها شكل جزءاً من شخصيتها تقول المتحدثة، و لا فرق بين ما كانت تكتبه الراحلة و بين ما كانت تعيشه.

بعض الصانعات التقليديات
رافقتها في المستوصفات و تنقلت برفقتها عبر ردهات المحاكم، و رأيت كيف كانت تنصت للمظلومين وتدافع عنهم. لقد كانت سفيرة للمستضعفين وصوتهم في كثير من المحطات، عبر تكسير جدار الصمت و الطابوهات. أما الشق المتعلق بالثقافة المغربية و الصناعة التقليدية فقد شكلت المرنيسي سفيرة الزربية التقليدية من دون منازع،حيث كانت تعتبرها الراحلة جزءاً من الهوية المغربية، وهو ما جعلها ترافق الصانعات التقليديات في كثير من المناسبات، وتفكر عميقا في تطوير منتوجهن وجعل النساء يسافرن به خارج الحدود الجغرافية لمناطقهن، تقول رفيقتها، التي اختتمت شهادتها بالقول "كانت فاطمة تردد دائما عبارة "c’est genial" (رائع) و كانت هي عن حق "geniale" (رائعة).
الطب النفسي في خدمة الصناعة التقلدية
بدوره كشف الطبيب النفسي فريد المريني عن جوانب خفية من شخصية فاطمة المرنيسي، من خلال استحضار محطات مهمة جمعته بالراحلة، أهمها توظيف التحليل النفسي في نقل "الصنعة" من الأم إلى البنت، ثم الحفيدة. يتذكر المريني كيف فاجأته المرنيسي ذات يوم بسؤال غير متوقع "هل أمك تطرز؟" وهو الذي كان قد وجه لها دعوة لحضور مؤتمر علمي حول الطب النفسي، واعتذرت عن حضوره، ليجدها تطلب منه أن يكتب لها رسالة عبر البريد الإلكتروني حول علاقة أمه ب "الطرز"، و بالفعل جاء ردها سريعا على رسالته وهي تقول له "حكايتك تشبه حكايتي، امي أيضا كانت طرازة". وظل حائرا في هذا الإهتمام بالطرز (التطريز) و الصنعة لدى هذه الباحثة، إلى أن أدرك سر اهتماها بهذا الموضوع.

تشكلية من معرض الزرابي
في النهاية و عندما رافقها في مشروعها مع الصانعات التقليديات، وبعد أن أصبح مقربا منها، أدرك ما كانت ترمي له المرنيسي، عبر اهتماها ب"الصنعة" (التطريز، صناعة القفطان، الزرابي، الحلي…) وما تعكسه هذه الأخيرة من ثقافة وهوية مغربية.
اهتمت المرنيسي بتجديد " الصنعة" ودرست مدى تغير الرسوم التي تحملها الزربية من جيل لآخر، على الأقل جيلين أو ثلاثة واكبتهم في حياتها، لتستخلص أن تلك الرسوم أضحت أكثر انفتاحا وتحررا عما كانت عليه. يقول المريني " إن الأمر أشبه بالكتابة الهيروغلفية التي قد ينظر لها على أنها مجرد رسم، لكنها لغة مكتوبة تكشف الكثير عن حياة أصحابها". وكان لفريد المريني له دور كبير في كشف العديد من الجوانب النفسية الخفية لهذا التحول، الذي كانت المرنيسي في حاجة له.
"هي هكذا لا يمكن ان تجد شخصا له مؤهلات في مجال ما، إلا وتمسك بتلابيبه، تحفزه على استثمار كل طاقاته وتوظيفها للصالح العام"، كما أكدت رفيقتها نجية البودالي التي واكبت انخراطها في مشروع الصانعات التقليديات في كل المراحل.
الرحلة إلى تازناخت
لعل مشروع مركز الزرابي بمنطقة تازناخت (غرب ورزازات / جنوب البلاد) يعد أهم إنجاز تٌوجت به المجهودات التي قامت بها فاطمة المرنيسي خلال مرافقتها للصانعات التقليديات بالمنطقة، يؤكد أصدقاؤها الذي رافقوها في رحلة لم تكن سهلة و نتائجها غير مضمونة.
تؤكد بعض الصانعات التقليديات اللواتي حضرن اللقاء عبر تقديم شهاداتهن، أن "للا إيجا" واحدة من أكبر صانعات الزربية بالمنطقة، كانت أول من فتحت الباب في وجه باحثة قادمة من الرباط لمرافقة النساء الصانعات بدوار (كفر) فقير ومنسي يسمى دوار "أيت واغردة".
عن هذه الإلتفاتة يقول سعد لحلو ابن أخت الراحلة "أثناء سفرها الدائم لمناطق عديدة من العالم، رأت فاطمة الأسعار المرتفعة جدا للزربية القادمة من تلك الرقعة المنسية من المغرب، و أرادت أن ترى وضع النساء هناك، ففوجئت بأنهن يعشن ظروفا صعبة، في حين أن ما يبدعنه من زرابي يمكن أن يجعلهن في مصاف الأغنياء أو على الأقل يضمن لهن عيشا كريما، وهذا كان يحز في نفسها".
تشير البودالي التي رافقت الراحلة أثناء مشروع تازناخت،الى ان المرنيسي عملت لسنوات من أجل أن تخرج هؤلاء النساء من أوضاعهن، عبر تعزيز ثقتهن بأنفسهن، و منحهن شحنة من الأمل، فتجاوزت بعضهن حدود منطقتهن، وخرجن يجبن مناطق عديدة من العالم لعرض منتوجاتهن، بل إن بعضهن لم يكن يتحدثن إلا الأمازيغية، قبل أن يصبحن متحدثات جيدات بالفرنسية بعد تعلمها بدعم من المرنيسي نفسها، وذلك حتى يتمكن من التواصل مع الزبناء الأجانب و التعريف بمنتوجهن المتفرد، إلى أن توج ذلك بزيارة للملك محمد السادس للمنطقة و إنشاء مركز للزرابي بتازناخت، و الذي يعد واحدا من أكبر الورشات لصناعة الزربية بالمغرب.
كانت المرنيسي رفقة فريق عملها يقطعون مسافات طويلة في طرق غير معبدة و مسالك وعرة، للوصول إلى قرى منسية و مداشر مهمشة، و إخراج نسائها من عزلتهن، وهذا كان هدف الراحلة ، بل إنها فتحت بيتها معرضا لعرض الزرابي و المنتوجات التقليدية و أجبرت ضيوفها على اقتناء كل ما كانت تعرضه النساء" ،تؤكد نجية.
الخروج من القوقعة
تقول صفية صانعة تقليدية من تازناخت "ماذا عساني أقول عن هذه المرأة التي من الصعب أن تتكرر.. لقد أخرجتنا من القوقعة التي كنا نعيش فيها. أجود الصانعات لا تملكن حق تسويق ما تنتجنه، حيث يتكفل زوجها ببيع الزربية، و لا يترك من سعر بيع المنتوج إلا ثمن اقتناء مواد أولية من صوف وغيره، لتبدأ الزوجة الصانعة في نسج زربية جديدة في سلسلة عمل لا تنتهي..".
هي سلسلة من الإستعباد و الإستغلال تتعرض لها الصانعات بمنطقة تازناخت على يد الزوج و التاجر معا. ويبلغ عددهن اليوم حوالي 22 ألف نساجة.
واستطاعت المرنيسي بانخراطها الإجتماعي أن تضع حدا لذلك على الأقل بالنسبة لعدد غير يسير منهن، عن طريق فتح الباب أمامهن للتسويق. إنهن لم يكن ليدركن أهمية الزربية التي ينسجنها لولا هذه المرأة التي بذلت جهودا كبيرة توجت بزيارة الملك محمد السادس و إنشاء مركز تازناخت للزربية.
الجانب الثقافي و الإقتصادي كانا يشكلان محط اهتمام بالنسبة لفاطمة المرنيسي، تؤكد فوزية المكناسي رئيسة شبكة الصانعات التقلديات بالمغرب. اهتمت طيلة حياتها بأهمية "الصنعة" التي تملكها ربات البيوت، وحرصت على ارتداء القفطان المغربي و الحلي التقليدية، لأنها كانت تعتبرها جزءا من الهوية المغربية في بعدها الثقافي، وهي بذلك ستظل راسخة في وجداننا و حية تنبض في ذاكرتنا، نظرا لما أنجزته من بحوث قيمة في هذا الشأن و ما حققته للصانعات التقليديات اللواتي لم تساعدهن بقدر ما رافقتهن وواكبتهن في معركة تحررهن، التي ما زالت مستمرة، تقول المكناسي.


