ليست الأعياد مجرد خطوطٍ باهتةٍ في دفاتر الزمن، ولا هي استراحةً عابرةً بين التعبين. الأعياد أنفاسٌ ثانيةٌ تُمنح للروح بعد طول انقطاع. إنها نوافذ خلفية في جدار القلب، نطل منها على حدائق الفرح القديم، حيث تلتقي عتمة الماضي بنور الحلم، ويختلط بكاء الطفل بضحكة الجد، وتلك الابتسامة التي لا تُنسى، كأنها وُلدت مع الدنيا.
في صباح العيد، يستيقظ الصمت بداخلنا. نفتح أعيننا على ضوءٍ مختلف، ضوءٍ فيه دفء الأمهات اللواتي رحلن، وفيه ألق أبٍ لا تزال يده على كتفنا بالدعاء. نسمع أصواتًا لا تسمعها الآذان العادية: قهوة الصباح الأولى مع أبي، وضحكات الأصدقاء الذين شتتهم البعد، وحكايات الجدات اللواتي كنّ يخبئن لنا العيدية في ثنايا ثيابهن. إنه يومٌ نلتقي فيه بالذين غادروا، لا بالجسد، بل بالشوق الذي لا يموت.
هي لحظةٌ نتوقف فيها عن الجري خلف الحياة، لنجلس على مقعدٍ قديم في فناء الذاكرة. هناك، حيث لا يصل ضجيج الشوارع ولا ضغط الأيام، نخلع عنا أثقال السنة. نشعر فجأةً أننا أطفال، أن الفرح لا يحتاج كثيرًا: ثوبٌ جديد، رائحة كعك، قبلة على الجبين. كأن الزمن يعيدنا إلى أصولنا، إلى الطين الذي خُلِقنا منه، إلى البساطة التي كنا نظنها ضعفًا فإذا هي القوة بعينها.
تأتي الأعياد كي تذكرنا أننا، بالرغم من كل شيء، لسنا وحدنا. في لحظةٍ خاطفة، نلتقي بنظرة عابر، أو بيدٍ تمتد للمصافحة، فنشعر بامتداد البشر. نكتشف أن الحب لا يحتاج إلى مقدمات، وأن القلوب إذا صفت تكاد تلامس السماء. في تلك الأيام، تصبح الابتسامة لغةً أولى، والكلمة الطيبة صدقةً، والزيارة القصيرة عمرًا جديدًا لعلاقةٍ كانت تكاد تذبل.
لكن الأعياد أيضًا ليست خاليةً من الشجن. في زواياها، تختبئ ذكرى غائبين، ومقعد فارغ، وصوت لن يعود. نصطدم بلذة الحضور ووجع الغياب في آن. نضحك ودمعنا في الحلق، ونحتضن من بقوا وكأننا نخاف أن يرحلوا مع نهاية اليوم. هناك، في قلب العيد، نعترف لأول مرة: أن الفرح كامل لا يكون إلا حين يكون الحزن رفيقه، لأننا لا نقدر قيمة الضوء إلا بعد ظلمة، ولا نعرف معنى الحضور إلا بعد فراق.
في هذه الأيام، تتبدل الموازين. الأشياء الصغيرة تكبر: زهرة نبتت في أصيصٍ مهمل، طفل يركض حافيًا في الشارع، ستارة جديدة في بيت عجوز، رائحة بخور تعانق الذاكرة. ونحن نكتشف أن الحياة لم تكن يومًا في الإنجازات الكبيرة، بل في هذه التفاصيل التي تشبه نبضات القلب: خفية، متكررة، لكنها معًا تصنع المعجزة.
نفسيًا، تغدو الأعياد مرآةً صافية، نقف أمامها بلا زيف. نسأل أنفسنا: مَن نحن حقًا؟ مَن نحب؟ مَن ينتظرنا؟ مَن ننتظر؟ نرتب الأوراق التي تبعثرت في زحام الأيام، ونقرر أن نعود إلى أنفسنا، إلى الصوت الداخلي الذي أخرسناه زمنًا. نشعر بالحاجة إلى الغفران: أن نغفر للآخرين، بل أن نغفر لأنفسنا، لأننا لم نكن دومًا كما أردنا.
ثقافيًا، تحمل الأعياد في طياتها همس الأجداد. تصلنا في زمن السرعة صرخةٌ حانيةٌ من الماضي: تذكروا، كونوا كما كنا، اجمعوا شملًا، أكرموا الضيف، سامحوا قبل أن تناموا. إنها ليست عاداتٍ جامدة، بل روحٌ تتجدد، لونٌ من ألوان المقاومة: مقاومة الجفاف، مقاومة القسوة، مقاومة النسيان. نحن نحتفل لأننا عرب، لأننا نحمل في دمنا نهرًا من الحكايات، لأننا نؤمن أن الفرح، مهما كانت تكلفته، يستحق.
عمليًا، يتحول العيد إلى يدٍ تمتد بالخير. هناك من يتصدق من فقره، ومن يزور من حاجته إلى الزيارة، ومن يُدخل السرور إلى قلب حزين دون أن يراه أحد. في تلك الأيام، يصبح العطاء حاجةً نفسيةً قبل أن يكون واجبًا، ونشعر أن السعادة الحقيقية هي أن نكون سببًا في فرحة الآخر. وكأن العيد يعلمنا أن الحياة تمتد فقط حين نمتد لغيرنا.
أما في زمننا العربي، حيث تتداخل تحديات العصر بعمق التاريخ، تصير الأعياد ملاذًا مؤقتًا للروح. نخرج فيها من انقساماتنا، من تعبنا اليومي، من ضجيج الساسة وخطاب الكراهية. نعود إلى الإنسانية المشتركة، إلى أننا قبل كل شيء بشر نحتاج إلى حضن، إلى ضحكة، إلى قول "كل عام وأنتم بخير" بصدقٍ يحرك الجوارح.
في ختام العيد، ونحن نطوي أيامه في الذاكرة، نشعر بشيءٍ غريب: أننا تغيرنا قليلًا. أصبحنا أكثر ليونة، أكثر قدرةً على المسامحة، أكثر وعيًا بأن اللحظة التي نعيشها قد لا تتكرر. نعود إلى الحياة، لكننا لسنا كما كنا. حملنا معنا القليل من نور العيد، قليلًا من حكمة الجدات، قليلًا من نقاء الأطفال.
الأعياد إذن ليست رفاهية، ولا فاصلًا زمنيًا. الأعياد هي أن نلتقي بأنفسنا في أعمق نقطة، حيث لا زيف ولا تزيين. هي أن نعترف بأننا نحتاج إلى الفرح كي نستمر، وأن الحزن جزءٌ من الفرح، وأن الذاكرة هي التي تصنع المستقبل. هي دعوةٌ صامتة لأن نحيا بقلوبٍ مفتوحة، لأن نغفر بسرعة، لأن نحب بلا شروط، لأن نكون، بالرغم من كل شيء، على قدر جمال هذه الحياة.
وفي لحظة العيد الأخيرة، عندما ينام الجميع وتنطفئ الأضواء، نقف وحدنا أمام نافذة الروح. نرى بعيدًا، نرى بعمق، نرى ذاك النور الصغير الذي لا ينطفئ بداخلنا. نعلم الآن أن العيد لم ينته، لأنه حين يكون في القلب، لا يحتاج إلى تقويم.


