: آخر تحديث
أضواء

أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!

7
7
7

لا أدري في الحقيقة هل سبقني أحدٌ إلى هذا البرهان العقلي وفق صياغتي التي سأشرحه من خلالها في هذه المقالة، فهو برهانٌ يثبتُ –في نظري– وجودَ الروح في الإنسان، بشكلٍ قطعيٍّ وبلا أدنى شكٍّ أو تردّد.

وقبل أنْ أورد ما لديّ، تحسن الإشارة في البدء، كمقدمةٍ قصيرةٍ، إلى أنّ الفلاسفة انقسموا بشكلٍ عام في مسألة "وجود الروح" إلى معسكرين كبيرين، الأول: يرى أنّ في الإنسان روحًا، والثاني ينفي ذلك.

ثم تعدّدت الآراء داخل كل فريق، فالقائلون بوجود الروح منهم من عدَّ الروحَ جوهرًا مستقلاً خالدًا مسجونًا في الجسد، ويبقى بعد الموت ولا يفنى بفناء الجسد. ومنهم من قرّر وجود الروح وأنها مستقلة، ولكنه يرى أنها تنتهي بموت الإنسان كالجسد تمامًا. ومنهم من قال هي موجودة، ولكنها ليست "شبحًا" يسكن الجسد، بل هي الوظيفة التي تحرّكه.

ومنهم من قال إنّ الروح هي صورة الجسد، وفرّقوا بين "العقل المنفعل" الذي يفنى و"العقل الفعّال" الذي يعتبرونه خالدًا لأنه من مصدرٍ ميتافيزيقيٍّ أو إلهيٍّ أو من شرارةٍ إلهيةٍ كما يُعبّر بعضهم أو غير ذلك، وهؤلاء أيضًا اختلفوا، فبعضهم قال إنّه خلودٌ حقيقيٌّ كامل، أي أنّ الروح تستمر بوعيها وشخصيتها الفردية في العالم الآخر، والبعض الآخر قال إنّ الروح خالدة، لكنه خلودٌ كونيٌّ عام لا يحمل ذكريات أو شخصية الفرد بعد الموت.

أمّا الذين ينفون وجود الروح، فالكثيرون منهم يرون أنّ كلَّ ما نشعر به ونسميه روحًا هو ليس إلا مجرد تفاعلاتٍ كيميائيةٍ وكهربائيةٍ في الدماغ، وبعضهم قال إنّ ما نسميه روحًا هو مجرد "الوعي"، وينتهي بموت الإنسان، ومنهم من قال إنّ ما يُسمّى الروح ليس روحًا بالمعنى الدارج، وإنما طاقةٌ تفنى بفناء الجسد.

ويتفق أصحاب هذا الاتجاه الثاني على رفض فكرة الاتجاه الأول بشكلٍ عام، مع اتفاق بعضهم النسبي مع بعض آراء الفريق الأول، وهذا يطول ويصعب شرحه هنا، والخلاصة عند الفريق الثاني أنّ موت الجسد يعني انتهاء الإنسان كلّه، وما يُسمّى "الروح"، مهما تعدّدت تعريفاته، ليس هناك دليلٌ عندهم على أنّه شيءٌ غير ماديٍّ أو مستقلٍّ، أو أنها تتحرّر أو تعود إلى عالمها الأصلي، أو تبدأ مرحلة جزاء أو غير ذلك.

والحقيقة أنّي كنتُ وما زلتُ مع الفريق الأول بشكلٍ عام، فلا أذكر –بالرغم من كثرة تأملاتي الفكرية وتغيّر قناعاتي– أنّي شعرتُ يومًا بأيّ ميلٍ للاقتناع بعدم وجود الروح، ولكنّي لم أكن في السابق أملك الحجة العقلية القطعية أو اليقينية، التي أستطيع طرحها على من يناقشني بثقةٍ كاملة.

أمّا اليوم، فأكتبُ هذه المقالة بكل ثقة، بعد أنْ اطمأنتْ نفسي إلى دليلٍ عقليٍّ شامل، أعتقد أنّه قطعيٌّ في إثبات وجود الروح في كل إنسان، وسأجتهد في إيصال الصورة الكليّة –الخاصة بي– لكم من خلال خمسة أمثلة، وسأنتقل منها إلى ما بعدها:

المثال الأول: يظهر في دهاليز المحاكم أحيانًا، وعند وقوع بعض الخصومات والخلافات، فتجد الإنسان الذي قدّم شكوى أو رفع قضيةً على إنسانٍ آخر مثلاً، يرفض كلَّ التدخلات والوساطات التي تحاول إقناعه بالتنازل عن ذلك الإنسان الذي ظلمه أو ضرّه أو اعتدى عليه أو أساء إليه؛ فإذا جاء المعتدي أو المسيء منكسرًا، وقدّم اعتذاره وأسفه وأنه نادمٌ على خطئه وطلب الصفح والسماح، يتغيّر الوضع تمامًا في أحيانٍ كثيرة، فيهدأ صاحب الحق أو المشتكي، ويتعامل مع الموضوع بطريقةٍ مختلفة، فربما يسامح أو يعفو عفوًا كليًا أو جزئيًا، أو يتنازل عن حقه كلّه أو بعضه.

المثال الثاني: الشكر والتقدير والامتنان والسعي لردّ الجميل، فعندما يسدي إنسانٌ معروفًا لإنسانٍ آخر، أو يقدّم له خدمةً جليلةً مثلاً، أو يقف معه موقفًا بطوليًا أو عظيمًا في فائدته أو قيمته أو أثره، كأن ينقذ حياته مثلاً، أو يخرجه من السجن بسداد دينٍ عليه، أو غير ذلك من الأمثلة الكثيرة جدًا، نجد أنّ الذي استفاد من هذا المعروف أو الموقف أو الخدمة يسعى لردّ الجميل ويرغب في تقديم الشكر ويحمل الكثير من التقدير لمن أسدى له ذلك الخير أو الأمر الطيب أو الفعل الحسن.

المثال الثالث: المحافظة على السمعة، فتجد الكثير من الناس يهتم جدًا بأمر سمعته ومكانته وقيمته أمام الآخرين، ولا يقبل حدوث أيّ شيء يؤثر على تلك السمعة أو يلطخها أو يشوهها، فإذا ما تمّ اتهامه بشيءٍ يخدش كرامته أو ينقص قدره ومكانته، نجده يسارع ويبذل كل ما يستطيع لنفي ذلك الاتهام أو تلك المعلومة السيئة التي يتداولها الآخرون عنه.

المثال الرابع: ردُّ الاعتبار، ولا أقصد هنا المعنى القانوني الصرف وحده، الذي يعني محو آثار حكمٍ قضائيٍّ سابق صدر بحق شخصٍ ما، واستعادة الأهلية القانونية وطمس السابقة من سجله، مما يمكّنه من ممارسة حقوقه المدنية كأيّ مواطنٍ لم يسبق الحكم عليه؛ وإنما أقصد ذلك مع المعنى الاجتماعي واللغوي العام، إن صحَّ الوصف، الذي يعني استعادة الكرامة والاحترام أو القيمة الأدبية التي فُقدت نتيجة موقفٍ معين، كالاتهام الباطل أو الإساءة التي تعرّض لها الشخص، إلى درجةٍ يلجأ فيها البعض أحيانًا إلى رفع قضيةٍ ضد جهةٍ أو منشأةٍ أو فرد، يطالب فيها بردِّ اعتباره بطريقةٍ أو بأخرى.

المثال الخامس: سعي الإنسان إلى الخلود المعنوي، فحين أدرك البشر أنّ الموت نهايةٌ حتميةٌ لا مناص عنها، اهتمَّ الكثيرون منهم واجتهدوا اجتهادًا كبيرًا غير هادفٍ للربح المادي في كثيرٍ من الأحيان، وإنما يهدف إلى تخليد أسمائهم وأعمالهم المختلفة، ليبقى ذكرهم حيًا بعد موتهم، ومن ذلك قول أمير الشعراء أحمد شوقي في بيتيه الشهيرين:

"دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ ** إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني

فارفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها ** فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني"

فهذه الأمثلة السابقة، التي ليست إلا فيضًا من غيض، وغيرها الكثير جدًا من شبيهاتها، إذا تمّ تأملها بهدوءٍ وتركيز، نجد فيها –من وجهة نظري– دليلاً قطعيًا واضحًا على وجود الروح لدى الإنسان خاصة، فما الذي جعل الإنسان يعفو ويصفح ويتنازل في المثال الأول حين انكسر أمامه المخطئ واعتذر منه؟ وما الذي يجعل الإنسان يسعى لردّ الجميل وتقديم الشكر والامتنان في المثال الثاني لمن أسدى له معروفًا؟ وما الذي يجعل المشكور أيضًا يسعد إذا وصله شكرٌ أو تكريمٌ لعملٍ جيدٍ قام به؟

وما الذي يجعل الكثير من الناس حريصين جدًا على المحافظة على السمعة والحذر من أيّ تشويهٍ يحدث لها؟ وما الذي يجعل الإنسان البريء يسعى جاهدًا لردّ كرامته واعتباره إذا تمَّ الافتراء عليه أو اتهامه بتهمةٍ تخلُّ بالشرف أو القيمة أو الأمانة أو ما شابه؟ وما الذي يجعل الإنسان يسعى إلى الخلود المعنوي ورفع اسمه وإبقاء ذكره حيًا بعد وفاته؟

إنّها الروح أيها السادة، ولا غير الروح في فهمي ونظري، فلو كان الإنسان خاليًا من الروح كما يزعم منكرو وجودها، فما هو العضو أو الشيء الذي يشعر بتلك المشاعر ويقوم بتلك السلوكيات النفسية، ويجعل الإنسان يغضب ويرضى وينتصر لنفسه ويسعى لأخذ حقه المعنوي لا المادي، ويسامح ويغفر إذا تمّ الاعتذار منه، ويسعى لتخليد اسمه، ويقدّم الشكر والامتنان لمن قدّم له الخير أو المعروف؟

وحين انتهيتُ من كتابة هذه المقالة، قرأتها على أحد الأصدقاء المفكرين، فردّ عليّ بردٍّ يوحي بميله إلى الاقتناع برأيي، ولكنه يتساءل عن أمورٍ لها علاقة بمرضى الزهايمر والذين يصابون بالخرف. وهذا ما سأكتب عنه في المقالة القادمة هنا في "إيلاف" إن شاء الله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات