: آخر تحديث

تأرجح السياسة!

6
9
4

إن إدارة بايدن كانت تتجه إلى محاولة تصفية ملفات الشرق الأوسط أو تسويتها قدر الإمكان، لا لأن المنطقة تمثل أولوية استراتيجية دائمة في حساباتها، بل لأنها أرادت التخلص من الالتزامات المتراكمة فيها والتفرغ لمواجهة الصين، باعتبارها الخصم الأكبر المتوقع للولايات المتحدة، لا إيران ولا العراق ولا مجلس التعاون الخليجي عدا السعودية.

أما ترامب فقد أعاد إدخال واشنطن في تعقيدات الشرق الأوسط من خلال إعلاناته وزياراته الارتجالية والكلام الذي يلقيه في تلك الزيارات، وهو ما فاقم أزمة داخلية أميركية لأن جزءًا من الجمهور الأميركي لديه نزعة واضحة إلى مغادرة المنطقة عبر تكليف وكلاء محليين بإدارة شؤونها. وفي هذا السياق، يرى بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي أن تحويل إيران من عدو استراتيجي إلى صديق استراتيجي قد يخدم هذا التوجه، بحيث تُكلَّف إيران برعاية الشرق الأوسط وإدارته والتحكم فيه لتصبح وكيلًا للولايات المتحدة في المنطقة، على أساس أن ذلك قد يسهم في إضعاف بنية المنطقة وكسر ظهرها.

وإن هذا التصور ضد العرب، ولذلك تميل الولايات المتحدة إلى التحالف مع الشيعة ضد السنة، لأن الشيعة لديهم ما يخدمهم والأمر الذي يسهل إدارتهم ككتلة واحدة.

وفيما يتعلق بعلاقة نتنياهو وترامب ومن يتحكم بالآخر، أرى أن الشائعات المتكررة عند العرب والمسلمين بأن اليهود يحكمون العالم غير صحيحة، وأن القول بأن الإسرائيليين يحكمون القرار الأميركي غير صحيح أيضًا. فالحقيقة أن لليهود نفوذًا عبر الإعلام والصحافة والجامعات الأميركية، لكن هذا النفوذ لا يبلغ درجة التحكم بالقرار الأميركي. وأعتقد أن "إسرائيل هي أداة ضعيفة بيد أميركا في المنطقة"، فهي أداة تضرب بها الشرق الأوسط نيابة عن الولايات المتحدة بدلاً من أن تدخل واشنطن مباشرة، فالأميركيون يرون أنفسهم سادة المنطقة بتحكمهم بإسرائيل، وهم من أسسوا لها إلى جانب الاتحاد السوفيتي سابقًا. وبناءً على ذلك، فإن علاقة نتنياهو وترامب هي علاقة سيد ومرؤوسه، وقد كان نتنياهو خلال الحروب يذهب إلى أميركا ليطلب الأمر والإذن في إعطاء الأمر بالدخول في تلك الحروب.

ومع ذلك، لا أتوقع أن يحدث ذلك بالدرجة الكبيرة التي قد يتصورها البعض، لأن إيران تبقى في المحصلة منبوذة في الشرق الأوسط، وهذا القيد الإقليمي يحد من قدرتها على أن تتحول إلى وكيل أميركي مقبول لإدارة المنطقة بالصورة التي تتحدث عنها بعض الدوائر السياسية في واشنطن.

في المحصلة، وبالرغم من اتجاه واشنطن إلى تصفية ملفات الشرق الأوسط أو تسويتها والتفرغ لمواجهة الصين، وبالرغم مما طرحته بعض الدوائر الأميركية من أفكار عن تحويل إيران إلى وكيل إقليمي لإدارة المنطقة، فإن هذه الأفكار تبقى محدودة بفعل الرفض الإقليمي لإيران وبنية المنطقة التي لا تسمح بسهولة بهذا التحويل. كما أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية، بوصف إسرائيل أداةً أميركية في المنطقة، لا تلغي حقيقة أن التوازنات الإقليمية تحتاج إلى طرف عربي قادر على الإمساك بخيوط الاستقرار. ومن هنا، وفي ظل هذه الحسابات المتضاربة بين محاولات الانسحاب وإعادة التدخل وتكييف الوكلاء، تبقى السعودية مركز توازنات للمنطقة ككل، لا مجرد طرف في معادلة يُراد ترتيبها من الخارج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.