: آخر تحديث

المسلمون لا يمثلون دائمًا الإسلام!

13
25
13

ثمة حقيقة مهمة كثيرًا ما تغيب عن أذهاننا في النقاش الدائر في النرويج، وهي أن المسلمين لا يمثلون الإسلام جملة وتفصيلًا في أوروبا، وليس كل ما يصدر عنهم تعبيرًا عن تعاليمه.

فبالرغم من أن 61.7 بالمئة من سكان النرويج كانوا أعضاء في الكنيسة النرويجية عام 2024، فإن الجرائم التي تُرتكب في هذا البلد لا تعكس بالضرورة تعاليم المسيحية ولا تحدد ما تمثله. وبالمثل، لا يجوز اتخاذ الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها مسلمون، داخل الدول الإسلامية أو خارجها، مقياسًا للحكم على العقيدة الإسلامية.

إن كثيرًا من المشكلات التي نناقشها اليوم لا تتعلق بالدين بقدر ما ترتبط بما يحمله الناس معهم من أعباء وتجارب وثقافة نشأوا في ظلها، في بلدان أنهكتها الحروب والفساد. وإذا أردنا نقاشًا صادقًا وموضوعيًا، فعلينا أن نميز بين جوهر العقيدة وخيارات البشر وسلوكياتهم.

وأود أن أكون واضحًا: أنا لا أدافع عن السلوكيات المرفوضة، ولا أبررها.

فهناك فرق جوهري بين الإسلام بوصفه عقيدة وممارسة دينية، وبين أفعال يرتكبها، نعم، مسلمون بالهوية، لكن عقولهم وسلوكياتهم تشكلت في بيئات طغت عليها الحروب والقمع والاضطهاد.

بين تعاليم الدين وأنماط الحياة

علينا أن نفرق بين ما تقوله النصوص الدينية فعلًا، وبين الطريقة التي يعيش بها الناس ويمارسون بها حياتهم. فالعادات والتقاليد تختلف اختلافًا كبيرًا من مجتمع إلى آخر، بل قد تكون الفوارق بين المدينة والقرية داخل البلد الواحد أعمق من الفوارق بين بلدين مختلفين.

ولعل زواج الأطفال خير مثال على ذلك. فهو ليس فريضة يفرضها الإسلام، بل ظاهرة ترتبط بالفقر وغياب التعليم والعادات المحلية المتوارثة.

ومع ذلك، كثيرًا ما تُلصق مثل هذه الممارسات بالإسلام ظلمًا، وتُقدَّم على أنها من تعاليمه. وقد زرت بنفسي مناطق عديدة، وسمعت تفسيرات لتزويج فتيات لم تتجاوز أعمارهن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. وبالرغم من محاولة تبرير هذه الممارسات بالاستناد إلى الدين، فإن دوافعها الحقيقية كانت أبعد ما تكون عن العقيدة؛ فقد كان اليأس هو المحرك الأساسي: الفقر، وانعدام مصادر الرزق، وغياب الدعم الحكومي، والصراع اليومي من أجل البقاء.

في مثل هذه الظروف، يتحول الدين إلى غطاء لكثير من الممارسات الخاطئة.

قبضة العشيرة الحديدية والقوانين غير المكتوبة

أستشهد بزواج الأطفال لأوضح كيف يجري أحيانًا تبرير ممارسات غير مقبولة باسم الدين، في حين أن جذورها الحقيقية تكمن في الأعراف العشائرية والتقاليد والقواعد الاجتماعية الموروثة. ولكي نفهم ظاهرة الإكراه، علينا أن نتجاوز التصنيفات الدينية، وأن ننظر إلى القواعد غير المكتوبة في الدساتير والتي تتحكم في المجتمعات المغلقة.

وتكشف قضية دانييلا المعروفة في النرويج، الفتاة من أوسلو التي أُجبرت على الزواج وهي في الثالثة عشرة من عمرها، عن هذه الحقيقة بصورة صادمة. فلم تكن أحكام الفقه الإسلامي هي التي رسمت مصير الطفلة، بل منظومة السلطة داخل الأسرة المحافظة. فعندما يفرض العم قراره، ولا يجرؤ الأب على معارضة شقيقه خوفًا من "فقدان ماء الوجه"، نكون أمام سلطة التقاليد وأحكامها الصارمة، لا أمام جوهر العقيدة الدينية.

بالنسبة إلى كثيرين، يكون الخوف من عقوبات العشيرة أقوى بكثير من الخوف من القانون والدولة النرويجية. بل إن بعضهم يفضل دخول السجن على التعرض للنبذ الاجتماعي، ولعل والد دانييلا خير مثال على ذلك. فأن يُصنَّف المرء منبوذًا، أو أن تطرده عشيرته من دائرتها، يُنظر إليه بوصفه حكمًا بالإعدام الاجتماعي.

إنها حقيقة قاسية يصعب على كثيرين ممن يعيشون خارج هذه البيئات أن يتخيلوها. وتزداد صعوبة التعامل معها لأن آلياتها الاجتماعية كثيرًا ما تضيع من خلال الترجمة والتحليل، فلا تصل إلى الجهات المعنية في أوروبا بالصورة التي تكشف حقيقتها، قسوتها وصرامتها.

وبحكم عملي مترجمًا شفهيًا، أدركت أن الكلمات نادرًا ما تنقل النوايا كاملة. فالمترجم ينقل ما يُقال، لكنه لا يستطيع دائمًا نقل ما يكمن خلف الكلمات. وقد شهدت مرارًا تواصلًا غير مباشر بين المتهمين والمجني عليهم، من خلال عبارات مشفرة وإشارات واقتباسات تحمل معاني لا يفهمها إلا أصحاب البيئة الثقافية نفسها.

وراء هذا النوع من التواصل خوف عميق وشفرات ثقافية لا ينجح النظام القضائي في كثير من الأحيان في التقاطها.

وكما يتضح من الحكم المرقم (LB-2011-75341) والصادر من محكمة الاستئناف في أوسلو، فكثيرًا ما يجد القضاء نفسه أمام جدار من الولاء يصعب اختراقه، فالمسألة لا تتعلق بأحكام الفقه الإسلامي، بل ببُنى عشائرية مغلقة يضحي الإنسان بنفسه من أجل شرف العائلة وسمعتها.

فإذا أردنا التصدي لهذه الانتهاكات، فعلينا أن نسلط الضوء على أنماطها الاجتماعية والسياسية، بدلاً من وصم الدين بأكمله.

فبالنسبة إلى كثيرين ممن يصلون إلى النرويج حاملين إرثًا من تقاليد متجذرة منذ قرون، لا تتوقف ثقافتهم عند عبور الحدود. وعندما يجدون أنفسهم أمام مجتمع جديد، يختار كثيرون الاحتماء ببيئاتهم الخاصة، بحثًا عن الأمان والانتماء. غير أن هذا الملاذ وغيره قد يتحول مع الوقت إلى غيتوات مغلقة تعزلهم عن المجتمع الكبير.

والنتيجة حياة مزدوجة: نظام تقليدي صارم خلف أبواب المنزل، وواجهة مرنة ومتكيّفة مع المجتمع الجديد في الخارج. وهذا ما ينطبق على دانييلا وأسرتها، اللتين حافظتا سنوات طويلة على صورة اجتماعية مقبولة أمام المجتمع النرويجي، من دون أن يثير ذلك قلق المؤسسات المعنية أو يدفع أحدًا إلى تقديم بلاغ إلى هيئة حماية الطفل.

لكن عندما تتصادم التوقعات الصادرة عن هذين العالمين، تتفجر أزمة وجودية تكشف الوجه الحقيقي لما كان مستترًا. عندها تظهر حقيقة دانييلا، وحقيقة آخرين يعيشون الظروف نفسها.

ومع استقبال النرويج أعدادًا متزايدة من اللاجئين القادمين من مناطق لا تزال هذه التقاليد حاضرة بقوة فيها، تشير الإحصاءات المتعلقة بالسيطرة الاجتماعية السلبية والزواج القسري إلى تطور مقلق يستدعي الانتباه.

عندما يتحول الدين إلى أداة للسلطة

لفهم خلفيات طالبي اللجوء القادمين من سوريا والعراق وأفغانستان، لا بد من النظر إلى الأوضاع السياسية التي فروا منها. ففي هذه البلدان، استُخدم الدين على مدى عقود أداةً في يد أصحاب السلطة، يوظفونه لتبرير الهيمنة وإحكام السيطرة والتغطية على إساءة استخدام النفوذ.

وقد أفرزت هذه الظروف أنماطًا سلوكية مشوهة، يحملها بعض الناس معهم عندما يفرون من بلدانهم. فعندما يحاول أحدهم، على سبيل المثال، تبرير سرقة المال العام، فإننا لا نتعامل هنا مع سلوك ديني، بل مع آلية دفاعية اكتسبها في مجتمع تحولت فيه الدولة إلى خصم، وأصبح الفساد فيه، بالنسبة إلى كثيرين، الطريق الوحيد للبقاء.

إن مثل هذه القناعات العميقة لا تختفي بمجرد عبور الحدود والوصول إلى بلد جديد. فالاندماج عملية طويلة ومعقدة، تتطلب جهودًا جماعية وفردية، تراعي خلفية كل شخص ومستوى تعليمه وثقافته والظروف التي جاء منها.

التباين داخل العالم الإسلامي

ثمة تفاوت هائل بين المناطق التي أنهكتها الحروب، وبين المجتمعات الإسلامية الحديثة التي تتمتع بالاستقرار وكفاءة مؤسسات الدولة، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة وماليزيا وغيرها.

وقد لفت هذا التباين انتباه شخصيات غربية أيضًا، من بينها إيلون ماسك. فعندما كتب مؤسس تطبيق تيليغرام، بافيل دوروف، مؤخرًا:

"للأسف، اضطررت قبل أسبوع إلى مغادرة دبي والتوجه إلى أوروبا. وبذلك لا أفوّت فقط "الألعاب النارية المجانية" القادمة من إيران، بل أعرّض نفسي أيضًا لمخاطر أكبر. فبالنظر إلى معدلات الجريمة في أوروبا، تبدو دبي، وفقًا للإحصاءات، أكثر أمانًا، حتى في الوقت الذي تحلّق فيه الصواريخ في الأجواء. أتطلع إلى العودة".

رد ماسك قائلًا:

"لا توجد دولة مثالية، لكن دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة أكثر أمانًا، وتتمتعان بإدارة أفضل من أجزاء كثيرة من أوروبا، وهذا أمر يمكن إثباته موضوعيًا".

وهذا ما أريد التأكيد عليه: يمكن للأمن والاستقرار والنظام والقيم الإيجابية أن تتعايش مع الإسلام، بل وتزدهر في ظل مجتمعات مسلمة، متى توفرت أنظمة ومؤسسات تعمل بكفاءة. ولعل هذا يفسر لماذا لا نرى طالبي لجوء من دبي وقطر والسعودية وماليزيا وغيرها من الدول.

الخلاصة

إن الجرائم والسلوكيات المرفوضة ليست تعبيرًا عن العقيدة الإسلامية، بل هي، في كثير من الحالات، نتاج خلفيات الأفراد وتجاربهم الصادمة والبيئات الاجتماعية التي نشأوا فيها، فضلًا عن الظروف التي أدت إلى تركز أعداد كبيرة منهم في مناطق محددة.

وإذا أردنا نقاشًا بناءً في أوروبا، فعلينا توجيه الاهتمام إلى الأسباب الاجتماعية والسياسية الكامنة وراء هذه الظواهر، بدلاً من اختزال دين بأكمله في سلوك بعض أتباعه. صحيح أنه لا يمكن تجاهل ارتفاع نسبة المتورطين في قضايا العنف والاحتيال من ذوي الخلفيات المسلمة، غير أن هذه الأرقام وحدها لا تثبت أن الدين هو المحرّك. فالجريمة ظاهرة معقدة لا تُفسَّر بالانتماء الديني بمعزل عن الظروف الاقتصادية، والخلفيات الثقافية، والتجارب القاسية، فضلًا عن الموروثات الفردية التي قد تتناقض أساسًا مع تعاليم الدين وجوهره.

علينا أن نجرؤ على رؤية الإنسان وراء الفعل، وأن نفهم أن المعيار الذي يميز به بين الصواب والخطأ قد تشكل في ظل واقع قاسٍ، يصعب علينا في الغرب، في كثير من الأحيان، أن نتخيل أبعاده الحقيقية.

هذه الحالة عبارة عن مرآة تعكس واقعًا لا يمكن تجاهله، وتطلق نداءً واضحًا: آن الأوان لأن تبدأ دول كثيرة إصلاحات اجتماعية جادة، تستثمر في الإنسان، وتعيد بناء ما هدمته الحروب والفساد في وعيه ومجتمعه. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بملاحقة النتائج، بل بمعالجة الأسباب التي أنتجتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.