: آخر تحديث
الرقصة الدولية الأخيرة:

حين بكت شوارع السعودية أسطورة الزمان

7
12
6

توقفت نبضات التاريخ، وتوشحت الرياض بالصمت الذهبي؛ هكذا استيقظنا على النبأ الذي كنا نتهرب من تصديقه، وأعلن الأسطورة كريستيانو رسميًا نهاية رحلته الإعجازية مع المنتخب البرتغالي. بين ليلة وضحاها، تحولت شوارع الرياض وميادينها إلى لوحات حية تفيض بالأسى؛ شاشاتها المضيئة التي اعتادت الاحتفاء بانتصاراته، ترفع اليوم صور الدون بقميص السيليساو في وداع مهيب يجمع بين اللغتين العربية والإنجليزية، وكأن العاصمة السعودية تختزل حزن عشاق كرة القدم في كل مكان.

وهنا، في قلب العاصمة التي استقبلتك بالحب، أكتب هذه الكلمات والدموع تكاد تطمس الحروف. أكتبها من قلب الرياض التي لم تعد كما كانت قبل ساعات؛ العاصمة تقف اليوم صامتة، مذهولة، ومثقلة بالحزن. انظروا معي إلى الميادين، إلى تلك اللوحات العملاقة التي تحوّلت فجأة إلى مرايا تعكس انكسار أرواحنا. صورك تملأ الأفق، وكأن الرياض تلفظ أنفاسها شوقًا لأيام لن تعود، لركضات لن تتكرر، ولالتحامات دولية وهبتها روحك وجسدك حتى سن الحادية والأربعين. هنا نقف جميعًا صامتين أمام نهاية الحلم.

لا كلام يفي، ولا دموع تكفي. لقد أعدت القميص رقم 7 لبلادك، لكنك تركت قلوب الملايين ممزقة. حين قرأت خبر اعتزالك، شعرت وكأن جزءًا من عمري قد سُرق مني. كبرنا وأنت تركض، وشخنا معك في كل دمعة فرح أو انكسار. كنت أظنك خالدًا في الملاعب، كنت أظن أن الرقم 7 سيبقى يركض على عشب المونديال إلى الأبد. اليوم لا يودع العالم مجرد لاعب، بل يودع جزءًا من طفولته، وجزءًا من روحه الرياضية. لقد وهبت البرتغال والعالم كل قطرة عرق، وكل نبضة في قلبك، واليوم تقرر أن تضع حدًا لهذه الرحلة الأسطورية بقرار حسمه قلبك قبل عقلك. انطفأت شعلة السيليساو التي أضأتها لسنوات، وتوقفت دقات الساعات الدولية عند أرقامك الإعجازية لتصبح تاريخًا يُدرّس، لكن غيابك يترك غصة في داخلي لا يمكن أن تلخصها الأرقام.

وبالرغم من أن هذه النهاية الدولية حملت في طياتها غصة مفاجئة، وخلافًا عابرًا مع مدرب البرتغال أطاح بظهوره الأخير في معسكر السيليساو، إلا أن التاريخ لا يلتفت للهوامش؛ التاريخ لا يتذكر إلا القمم. وكما قلتَ بنفسك في وداعك المؤثر: "الأهداف تتلاشى، والكؤوس تنتهي في المتاحف، والأرقام تُكسر في النهاية، لكن ما لا يمكن للوقت محوه هو المكانة التي نحتلها في قلوب الناس". لقد صدقت يا دون، فمكانتك في قلوبنا عصية على النسيان، ومحفورة في ذاكرة كل شارع وميدان في رياضنا الحزينة. إن الـ234 مباراة والـ146 هدفًا التي صاغت مجدك الدولي ليست مجرد إحصائيات، بل هي نبضات قلوبنا التي تسارعت خلفك في ستة كؤوس عالم وست بطولات أمم أوروبية. لقد غيّرت مفهوم الشغف، ورفعت سقف الطموح جيلًا بعد جيل.

عزائي الوحيد في هذا الانكسار، أنك هنا بيننا في رداء النصر، قريب من عيني ومن قلبي، فما زال للمجد بقية، وفصول حكايتك في الملاعب السعودية لم تنتهِ بعد. ستشتاق إليك شارات القيادة، وستبكي خلفك الشباك الدولية، وسيظل صدى صرختك الشهيرة "Siuuu" يتردد في كل مدرج تشجعه فيه كمشجع وفيّ لبلادك. نامي يا شوارع الرياض كفيفة الأضواء، واهدئي يا شاشات العاصمة المثقلة بالحزن. فقد انتهى الفصل الدولي لأعظم من ركل كرة القدم، لتبدأ من هنا، ومن فوق ترابنا، آخر لوحات الرقصة الأخيرة بقميص النصر. شكرًا كريستيانو، شكرًا لأنك جعلت شبابنا أجمل، وعلمتنا أن المستحيل مجرد وجهة نظر. سأظل أروي لأولادي أنني عشت في زمنك، وبكيت في يوم اعتزالك، وداعًا يا تاريخ كرة القدم الحي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.