: آخر تحديث

علّمناهم.. فهل حافظنا على صلتنا بهم؟

4
6
3

في مجلس جمع نخبة من أهل الفكر والعلم والأدب، تشعب الحديث حول قضايا أمتنا العربية والإسلامية، وما نواجهه من تحديات إعلامية وثقافية، وما نملكه في المقابل من فرص وإمكانات لم نستثمرها بعد بالصورة التي تستحقها.

وكان من بين ما استوقفني حديث عن عشرات الآلاف من أبناء الدول العربية والإسلامية، وخاصة الأفريقية منها، الذين فتحت لهم المملكة العربية السعودية أبواب جامعاتها، ومنحتهم فرص التعليم والإقامة والرعاية، فعادوا إلى أوطانهم يحملون الشهادات والمعرفة، ومعها ذكريات سنوات قضوها بيننا.

ومن هنا تولّد سؤال أراه جديرًا بأن يُطرح على مؤسساتنا التعليمية والثقافية والدبلوماسية:

أين هؤلاء الخريجون اليوم؟

وهل استفدنا من هذه الثروة البشرية والعلمية في تعزيز علاقاتنا بشعوب العالم، والدفاع عن قضايانا، وتصحيح ما يُروّج من مغالطات عن بلادنا وأمتنا؟

ولعل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، هذه المؤسسة العلمية العريقة التي تأسست عام 1381 هـ في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله، تمثل واحدًا من أعظم الشواهد على عطاء المملكة العلمي والإنساني الممتد عبر الأجيال.

لقد كانت الجامعة، وما زالت، منارة علم ومعرفة، ومقصدًا لطلاب قدموا من قارات العالم، يدرسون علوم الشريعة واللغة العربية وغيرها من التخصصات، ويتعرفون عن قرب على مجتمع المملكة وقيمه ونهجه القائم على الوسطية والاعتدال.

ولا أنسى أنني حضرت قبل سنوات عددًا من مناسبات هذه الجامعة، وشاهدت بنفسي طلابًا من جنسيات متعددة، بعضهم من أعماق أفريقيا وآسيا، يقفون أمام الحضور ويلقون كلماتهم، بل وقصائدهم، ما شاء الله، بلغة عربية فصيحة، وبيان يأسر السامعين.

كنت أستمع إليهم بفخر واعتزاز، وأتأمل كيف استطاعت هذه المؤسسة العلمية الإسلامية أن تجعل من العربية لغة علم وثقافة وتواصل لأبناء شعوب بعيدة عن موطنها الأول.

وكنت أقول في نفسي:

ما أعظم هذا الإنجاز، وما أجمل أن يعود هؤلاء الشباب إلى أوطانهم وهم يحملون شيئًا من روح المدينة المنورة، ومن الوفاء لبلاد احتضنتهم وعلّمتهم!

والأرقام هنا، وبعد البحث والتقصي، تتحدث بما يفوق الوصف.

فوفق ما أعلنته الجامعة الإسلامية عام 2025، تجاوز عدد المنح الدراسية التي قدمتها منذ تأسيسها 173 ألف منحة، استفاد منها طلاب وطالبات من 179 دولة وإقليمًا حول العالم.

إننا أمام امتداد إنساني وتعليمي هائل لا يقاس بعدد الشهادات وحدها، بل بما يمكن أن يتركه هؤلاء الخريجون من أثر في مجتمعاتهم، وفي ميادين التعليم والإعلام والثقافة والعمل العام.

وليس هذا العطاء مقتصرًا على الجامعة الإسلامية فحسب، فهناك جامعات سعودية حكومية أخرى تستقبل طلابًا دوليين بمنح دراسية في تخصصات متنوعة، ضمن سياسة تعليمية تعكس حرص المملكة على بناء الإنسان، وتبادل المعرفة، وتعزيز جسور التواصل بين الشعوب.

ولكن السؤال الكبير:

"ماذا بعد التخرج؟"

هنا أصل إلى جوهر القضية.

قد يعود الطالب إلى بلاده ليصبح وزيرًا، أو أستاذًا جامعيًا، أو قاضيًا، أو باحثًا، أو إعلاميًا، أو مسؤولًا، أو صاحب تأثير في مجتمعه، وقد يتولى بعضهم مواقع قيادية تتجاوز حدود مدينته وبلاده.

فهل نعرف أين وصل هؤلاء؟

وهل تستمر صلتهم بالجامعات التي تخرجوا فيها ومنها؟

وهل يجدون من مؤسساتنا وسفاراتنا ما يشعرهم بأن علاقتهم بالمملكة لم تنتهِ يوم تسلموا شهاداتهم؟

لا أطرح هذه الأسئلة انتقاصًا من جهود قائمة، بل دعوة إلى تطويرها وتوسيع أثرها.

وقد سرّني أن أجد أن الجامعة الإسلامية أطلقت مشروع إرث وأثر الخريجين، لتوثيق بياناتهم وقياس أثرهم العلمي والمعرفي، إلى جانب وجود منصة إلكترونية للتواصل معهم.

وهذه خطوات تستحق الإشادة والتقدير، لكنها تفتح الباب أمام مشروع أوسع تتكامل فيه جهود: وزارة التعليم والجامعات ووزارة الخارجية وسفارات المملكة وملحقياتها الثقافية حيثما وجدت.

لماذا لا يكون لدينا برنامج وطني متكامل للتواصل مع خريجي الجامعات السعودية من غير السعوديين؟

برنامج يجمع بياناتهم المحدثة بموافقتهم، ويتيح التواصل المستمر معهم، ويعرّف بمواقعهم العلمية والمهنية، ويقيم ملتقيات دورية لهم داخل المملكة وخارجها.

ولماذا لا تخصص سفاراتنا في الدول الأفريقية والآسيوية وغيرها لقاءات سنوية لهؤلاء الخريجين، وتدعوهم إلى مناسباتها الوطنية والثقافية، وتحتفي بالمتميزين منهم، وتفتح أمامهم أبواب المشاركة في الندوات والحوارات والأنشطة العلمية؟

بل لماذا لا تُنشأ شبكة تواصل متعددة اللغات تربط خريجي الجامعات السعودية بعضهم ببعض، وتتيح لهم الاطلاع على مستجدات المملكة العلمية والثقافية والتنموية، وتوفر لهم مواد موثوقة يستطيعون الرجوع إليها عندما يحتاجون إلى معرفة الحقائق؟

إن المملكة، من فضل الله علينا، تعيش اليوم تحولًا تنمويًا كبيرًا في ظل رؤية 2030، ولديها من المنجزات والمبادرات الإنسانية والعلمية ما يستحق أن يصل إلى مختلف شعوب العالم، لا من خلال البيانات الرسمية وحدها، بل عبر شهادات إنسانية صادقة لأشخاص عرفوا بلادنا وعاشوا فيها.

ولا يعني ذلك أن نطلب من الخريجين أن يكونوا أصواتًا موجهة، أو أن نحملهم التزامات سياسية مقابل تعليم تلقوه؛ فالعلم رسالة أسمى من ذلك، والوفاء الحقيقي لا يُفرض على أحد!

إنما نريد أن نحافظ على الصداقة، وأن نفتح أبواب المعرفة والتواصل، وأن نتيح لمن أحب المملكة وعرف حقيقتها أن ينقل تجربته بحرية وصدق.

فالشهادة الصادقة ممن عاش التجربة أبلغ أثرًا من عشرات الرسائل الدعائية، وكم نحن بحاجة إلى مثل هذه الجسور في زمن تتسارع فيه الشائعات، وتتشابك فيه المصالح، وتتعرض فيه الدول العربية والإسلامية لحملات التشويه والتضليل!

إن خريجًا أفريقيًا عاش سنوات في المدينة المنورة، وتعلم العربية، وعرف المجتمع السعودي عن قرب، قد يكون أقدر على مخاطبة أبناء بلاده بلغتهم وثقافتهم من وسائل إعلام لا تعرف واقعهم.

وما أجمل أن يكون هؤلاء الخريجون جسورًا للتفاهم، ورسلًا للعلم والاعتدال، وأصدقاء أوفياء للمملكة، وأصواتًا واعية تنصف الحقائق، وتدافع عن قيم السلام والتعاون، وتخدم قضايا أمتنا العربية والإسلامية بالحجة والمعرفة، لا بالشعارات والانفعالات.

ويمكن أن يمتد هذا المشروع إلى إقامة مؤتمر دولي دوري لخريجي الجامعات السعودية، يجمع شخصيات علمية وثقافية ومهنية من مختلف القارات، وتُعرض خلاله تجاربهم ومساهماتهم في خدمة مجتمعاتهم، وتُكرّم النماذج المتميزة منهم.

ولِمَ لا نرى في المستقبل مجالس أو جمعيات صداقة لخريجي الجامعات السعودية في عدد من الدول، تعمل وفق أنظمتها المحلية، وتبقى على تواصل علمي وثقافي مع جامعات المملكة ومؤسساتها؟

إن مثل هذا المشروع لا يحتاج إلى البدء من الصفر، وإنما إلى تنسيق المبادرات القائمة، وتوسيع نطاقها، ووضع أهداف واضحة يمكن قياس أثرها واستمراريتها.

ولعل من المناسب أن تتبنى الجهات المعنية دراسة هذا المقترح، وأن تبدأ بتجربة في عدد من الدول الأفريقية التي تربطها بالمملكة علاقات تاريخية وعلمية وثقافية، ثم تتوسع تدريجيًا وفق النتائج.

وأختم برسالة أرجو أن تصل إلى من يعنيهم الأمر:

لقد أحسنت المملكة، قيادةً وشعبًا، حين فتحت أبواب العلم لأبناء العالم، ولم تبخل عليهم بالرعاية والتعليم والتأهيل، فكان ذلك استثمارًا في الإنسان قبل أن يكون استثمارًا في العلاقات.

واليوم، ونحن أحوج ما نكون إلى توسيع دوائر الصداقة والتفاهم، علينا ألا نكتفي بتخريج الطلاب وتوديعهم عند أبواب الجامعات والمطارات.

فمن علّم إنسانًا فتح له بابًا إلى المستقبل، ومن حافظ على صلته به أبقى ذلك الباب مفتوحًا بين شعبين.

لقد زرعنا العلم في عقولهم، وتركنا في قلوب كثير منهم محبةً لهذه البلاد، فلا ينبغي أن ينتهي حصاد ذلك العطاء عند شهادة التخرج!

فالجامعات تخرّج طلابًا، أما الوفاء والتواصل فيصنعان أصدقاء للأوطان، وجسورًا تبقى حين تتغير الظروف وتتباعد المسافات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.