: آخر تحديث

الترامبية: حين ينقلب السحر على الساحر!

5
5
3

في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2018، أصدرت كتابًا بعنوان "الردحيولوجي: سياسة ترامب"، خصصت فيه فصلًا لمفهوم أطلقت عليه "الترامبية" (Trumpism)، حاولت من خلاله قراءة شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس بوصفه رئيسًا مختلفًا عن سابقيه فحسب، بل باعتباره ظاهرة سياسية وإعلامية تقوم على صناعة الضجيج، وإثارة الخصومات، وتحويل التناقضات إلى أدوات للحكم.

ولم أكن يومها أتصور أن ما كتبته عن ترامب في ولايته الأولى سيجد، بعد ثماني سنوات، ما يعيد طرحه بهذه القوة، ليس على ألسنة خصومه الديمقراطيين وحدهم، بل داخل حزبه الجمهوري أيضًا.

فها هي الانتخابات النصفية الأميركية، التي جرت في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) 2026، تحمل ضربة سياسية قاسية للرئيس ترامب، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، في تحول انتخابي تجاوز توقعات كثير من المراقبين، وامتد إلى ولايات كانت تُعد من معاقل الجمهوريين.

واللافت أن هذه النتائج لم تكن مجرد انتصار للديمقراطيين، بقدر ما بدت تصويتًا احتجاجيًا على سياسات ترامب وأسلوبه في إدارة الحكم، وعلى الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران.

من الردحيولوجي إلى الترامبية

وصفتُ في كتابي سياسة ترامب بأنها "عجينة" من التصريحات المتناقضة والوعود المتضاربة، واستعنت بالمثل الشعبي المصري: "طبطب وليس يطلع كويس"، وإذا لم يخرج العجين كما ينبغي، أو احترق في الفرن، ألقينا المسؤولية على الخباز!

وكنت أرى أن ترامب لا يدير السياسة بمنطق المؤسسات بقدر ما يديرها بمنطق العرض الإعلامي؛ يطلق تصريحًا مثيرًا، ثم يناقضه بتصريح آخر، ويترك الإعلام وخصومه يتجادلون حول ما قاله، بينما ينتقل هو إلى معركة جديدة.

ولهذا وصفته يومها بأنه "جوكر السياسة الأميركية"، القادر على خلط الأوراق وإرباك الخصوم، بل وإرباك حلفائه أحيانًا.

وفي تغريدة قديمة، اختصرت منهجه السياسي في ثلاث خطوات:

  1. تحدث عن إنجازات غير مسبوقة حققتها، حتى لو بالغت في وصفها.
  2. أشغل الناس بقضايا جانبية تلهي الإعلام والمعارضين، ثم اذهب واستمتع بلعب الغولف.
  3. دع الناس ينسون الوعود التي لم تحققها، واستعد لخوض الانتخابات من جديد!

كانت تلك قراءة ساخرة لأسلوب سياسي رأيت أنه يعتمد على السيطرة على المشهد الإعلامي أكثر مما يعتمد على تقديم إجابات مستقرة عن مشكلات المجتمع.

عندما يبدأ الجمهوريون بمراجعة حساباتهم

الجديد اليوم ليس أن الديمقراطيين ينتقدون ترامب؛ فهذا أمر طبيعي في الصراع الحزبي الأميركي. الجديد أن الهزيمة الانتخابية دفعت أصواتًا جمهورية إلى التساؤل عن الثمن الذي يدفعه الحزب نتيجة ارتباطه بشخصية الرئيس وسياساته.

فقد نقلت وكالة رويترز، عقب الانتخابات، دعوات من داخل المعسكر الجمهوري إلى تغيير المسار، وإعادة الانضباط إلى البيت الأبيض، ومراجعة السياسات التي أثارت استياء الناخبين، خصوصًا الحرب مع إيران والرسوم الجمركية.

بل إن السيناتور الجمهوري تيد كروز وصف ما جرى بأنه رفض انتخابي بحجم فضيحة ووترغيت، في تعبير يكشف عمق الصدمة داخل الحزب.

وهنا أجد نفسي أمام السؤال الذي طرحته قبل سنوات: هل يستطيع حزب سياسي كبير أن يحتفظ باستقلال قراره عندما تتحول شخصية زعيمه إلى ما يشبه العقيدة السياسية التي لا يجوز الاعتراض عليها؟

لقد نجح ترامب طويلًا في إخضاع المؤسسة الجمهورية لإيقاعه الشخصي، لكنه يواجه اليوم اختبارًا مختلفًا: فالشعبية التي تمنح الزعيم القدرة على السيطرة على حزبه قد تتحول إلى عبء عليه عندما يبدأ الناخبون في تحميل الحزب كله مسؤولية أخطائه.

من المسؤول عن احتراق العجينة؟

المثير أن ترامب، بعد الهزيمة، لم يتخلَّ عن أسلوبه المعتاد.

فبدلاً من الاعتراف بمسؤوليته السياسية عن النتائج، سارع إلى التذكير بأنه لم يكن شخصيًا على بطاقات الاقتراع، وأن الجمهوريين كانوا سيفوزون لو كان هو المرشح!

وهذا يعيدني إلى مثال "العجينة" الذي استخدمته في كتابي.

فعندما ينجح المرشح الجمهوري، يُنسب الفضل إلى ترامب ودعمه. وعندما يخسر، يصبح المرشح نفسه مسؤولًا عن الفشل!

وهكذا يظل "الخباز" هو المتهم، بينما يخرج صاحب الوصفة من المطبخ وكأن شيئًا لم يحدث!

لكن الانتخابات لا تُدار بالتصريحات وحدها. فالناخب الأميركي قد يصفق للخطيب المثير، ويستمتع بمشاهد المواجهة السياسية، لكنه عندما يدخل صندوق الاقتراع يفكر أيضًا في أسعار الغذاء والوقود، وفي مستقبله الاقتصادي، وفي الحروب التي تُخاض باسمه وتُدفع تكاليفها من جيبه.

وهذه، في تقديري، إحدى الرسائل الأساسية التي حملتها الانتخابات الأخيرة.

هل بدأت نهاية الترامبية؟

لا أعتقد أن نتائج انتخابات واحدة تكفي لإعلان نهاية ظاهرة سياسية استطاعت أن تعيد تشكيل الحزب الجمهوري، وأن تستقطب ملايين الأميركيين، وأن تفرض مفرداتها على الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة وخارجها.

فالترامبية لم تعد مجرد أسلوب رئيس، بل أصبحت تيارًا سياسيًا واجتماعيًا له أنصاره ومؤسساته ومصالحه.

لكن ما حدث يكشف أن قدرتها على التعبئة لا تعني بالضرورة قدرتها على الحكم الناجح، وأن إثارة الجماهير ليست بديلًا عن معالجة مشكلاتها.

كما أن فوز الديمقراطيين لا يمنحهم صك نجاح مسبقًا؛ فهم بدورهم مطالبون بإثبات قدرتهم على تقديم بدائل عملية، لا الاكتفاء بمعارضة ترامب.

ومع ذلك، فإن انتقال السيطرة على مجلسَي الكونغرس إلى الديمقراطيين سيضع الرئيس أمام قيود مؤسسية ورقابية أشد، وربما يفتح الباب لتحقيقات ومواجهات سياسية جديدة.

وقد يكون الاختبار الأصعب لترامب هذه المرة هو أنه لم يعد يستطيع تحميل خصومه وحدهم مسؤولية كل إخفاق، بينما تتزايد الأصوات الناقدة داخل حزبه نفسه.

كلمة أخيرة

حين كتبت عن "الترامبية" عام 2018، لم أكن أتنبأ بنتيجة انتخابات ستجري بعد ثماني سنوات، وإنما كنت أحاول قراءة نمط من السلوك السياسي رأيت أنه يحمل في داخله بذور أزماته.

واليوم، وأنا أتابع ما يقوله الإعلام الأميركي وبعض السياسيين الجمهوريين عن ترامب، أجد أن كثيرًا مما انتقدته في ذلك الوقت أصبح جزءًا من النقاش الدائر حول أسباب الهزيمة.

ولعل المفارقة أن الرجل الذي اعتاد أن يجعل الآخرين موضوعًا للسخرية والاتهام، يجد نفسه اليوم موضوعًا للمساءلة حتى بين بعض أنصاره.

فهل يتعلم ترامب من الهزيمة، أم يواصل ممارسة "الترامبية" بالطريقة نفسها؟

أميل إلى الاحتمال الثاني؛ فالرجل الذي جعل من الضجيج السياسي وسيلة للصعود قد يجد صعوبة في الاعتراف بأن الضجيج نفسه أصبح أحد أسباب التراجع.

ويبقى السؤال: هل احترقت عجينة الترامبية هذه المرة، أم أن ترامب سيبحث، كعادته، عن خباز جديد يحمّله مسؤولية الحريق؟!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.