يقول المفكر الإسرائيلي يوفال هراري، مخاطباً مضيفه البريطاني: إن طلبت الحكومة الأمريكية منكم القفز، فعليكم القفز فوراً. وإذا قالت لكم ان جزيرة غرينلاند تابعة للولايات المتحدة، وليس للدنمارك، فستكون كذلك بالفعل، وعليكم القبول بالأمر. وإذا طلبت منكم تسليم جزر فوكلاند، التي تحتلها بريطانيا، للأرجنتين، فلا تعارضوا ذلك. فمن التهديدات الخطيرة التي تواجه العديد من دول العالم اليوم، بما في ذلك بريطانيا، ودول الاتحاد الأوروبي، ما يمكن تسميته بـ«الإمبريالية الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي»، وهو خطر سينتج عنه تحول الدول إلى كيانات تابعة للولايات المتحدة. فإذا كان اقتصاد دولة ما وكامل تقنيات جيشها يعتمدان على بنية تحتية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، فهذا يعني أنه بإمكان الأمريكيين إيقافها بضغطة زر، وتصبح دولة تابعة. هذا تهديد حقيقي ووشيك، وقد يتحقق في غضون سنوات قليلة. وليس أمام هذه الدول الصناعية المتقدمة، كبريطانيا، غير ثلاثة خيارات متاحة:
الأول، الاستمرار في نفس الحال، كما جرت العادة؛ والقبول بالتبعية.
أما الخيار الثاني فهو أن تقولوا: «لا، لن نقبل بذلك، ونريد الحفاظ على استقلالنا، لذا سنبني نظام ذكاء اصطناعي بريطانياً خاصاً بنا». قد يبدو هذا قراراً رائعاً، لكن تكلفته باهظة، وقد تصل إلى نحو 500 مليار جنيه إسترليني. ونظرياً، فإن بريطانيا قادرة على القيام بذلك. فهي واحدة من الدول القليلة في العالم التي لا تزال تمتلك تلك القدرة. لكن هذا يعني التقليص الفوري للإنفاق على الرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، والتعليم، والنقل، وغيرها، لتوفير الأموال اللازمة لتصبح بريطانيا دولة مستقلة، عن أمريكا، في مجال الذكاء الاصطناعي.
أما الخيار الأخير فهو الإقرار بأن التكلفة باهظة، عليها منفردة، وعليها التعاون مع الأوروبيين. وهذا يعني العودة للاتحاد الأوروبي، ومن دون ذلك سيستمر التهديد الأمريكي، والتبعية لها في كل شيء.
المشكلة التي تواجه البشرية أن قدرات أمريكا أكبر من قدرات الكثير من الدول الأخرى، حتى وهي مجتمعة، خاصة في أيام السلم الدولي. فلديها مفاتيح أقفال كثيرة لا تملكها البقية، لكن حجمها الهائل وقوتها، العسكرية والمالية الضخمة، يمكن أن تقع بسهولة بيد أصحاب قرار لا يمكن الثقة بهم، وتشوب سيرهم الشخصية شوائب لا حصر لها، وهنا تكمن الطامة الكبرى. كما أن هناك مشكلة أكثر تعقيداً وتكمن في أن قطاع الذكاء الاصطناعي، الرهيب بحجمه، يعتمد بشكل كبير على تايوان، فليس بمقدور الولايات المتحدة إنتاج المزيد من الرقائق، بين عشية وضحاها؛ نظراً لمزيج من التعقيد الهندسي، والتكاليف الباهظة، وغياب البنية التحتية المحلية لسلسلة التوريد، وهذا ما سنتطرق له في مقال قادم، حيث تهيمن شركة TSMC على التقنيات الأكثر تطوراً، في حين تتفوق الشركات الأمريكية في تصميم رقائق الذكاء الاصطناعي، فإن الإنتاج الفعلي ينتج خارجياً، فهذه الشركة تنتج، أكثر من 90% من أكثر الرقائق تقدماً والعالية الأداء في العالم، وتعتبر عملية تصنيعها الأكثر تعقيداً ودقة في تاريخ البشرية. وهناك عقبات عدة ضخمة تحول دون توسيع نطاق الإنتاج سواء في أية دولة أخرى. لذا تستميت الولايات المتحدة في الدفاع عن استقلال تايوان.
أحمد الصراف

