بعد فوز السعودية على الأرجنتين في كأس العالم 2022، كان بوسع المشجع السعودي أن يعيد إرسال هدفي المباراة، لكن من بين المقاطع التي عبرت الحدود، برز مشهد مشجع يسأل "أين ميسي؟"، تناولت وسائل إعلام مقاطع الاحتفال التي ترددت فيها العبارة، وفي ثوانٍ معدودة اجتمعت مفاجأة النتيجة وفرحة المشجع ومزحة اسم ميسي، وتحوّلت إلى عبارة طافت كافة أنحاء العالم!
ما الذي يجعل هذه الثواني تسافر أبعد من آلاف المقاطع المصوّرة في اليوم نفسه؟ وهل يكفي أن نجدها في هواتفنا جميعًا لنقول إنها غيّرت رأيًا عامًا؟
الانتشار الفيروسي هو: اتساع تداول محتوى بسرعة عبر سلسلة من المشاركات، مع تحوّل بعض من يصل إليهم إلى موزعين له، يشاهد شخص المقطع فيرسله إلى مجموعة، ويأخذه أحد أعضائها إلى دائرة أخرى، ثم يظهر في حسابات ومنصات لم يكن الناشر الأول يصل إلى جمهورها، وقد يضيف كل انتقال جمهورًا جديدًا، أو صيغة جديدة للقصة نفسها.
لكن باحثين درسوا نحو مليار واقعة انتشار على "إكس" وميّزوا بين البث إلى جمهور واسع من مصدر واحد والتداول عبر سلسلة من المشاركات المتعاقبة، ووجدوا أن المحتوى واسع الانتشار قد يسلك أيًا من المسارين، أو يجمع بينهما، لهذا قد يحقق مقطعان العدد نفسه من المشاهدات، بينما يدين الأول بمعظم وصوله لحساب كبير نشره، ويصل الثاني إلى الرقم نفسه بعدما تناقلته دوائر متعددة، فرقم المشاهدات يخبرنا بحجم التعرض للمقطع، فيما تكشف سلسلة المشاركات كيف وصل إلى الناس.
وهنا تتضح مسألة الانتشار العضوي، إذ لكل انتشار أسباب، وقد يقع من دون حملة مدفوعة أو تنسيق مسبق بين المشاركين، وقد ينشر شخص مقطعًا عفويًا، وتوصي به المنصة، ثم يلتقطه حساب واسع المتابعة. وقد تبدأ جهة بحملة مخططة، ثم يتداول الناس مادتها طوعًا لأسباب تخصهم. لذلك يجدر بنا أن نسأل ثلاثة أسئلة منفصلة: من أطلق المحتوى؟ من أعطاه دفعة الوصول الأولى؟ ولماذا واصل الناس تداوله؟ وبالتأكيد تختلف الإجابة كل مرة.
تحدي "دلو الثلج" عام 2014 يوضح كيف يصبح المشاهد جزءًا من آلية الانتشار، يصوّر المشارك نفسه وهو يسكب الماء المثلج على رأسه، ثم يسمّي أشخاصًا بعينهم ليفعلوا الشيء نفسه، كل فيديو يصنع مادة جديدة، ويترك وراءه دعوة علنية إلى الجولة التالية، وسّع المشاهير دائرة الاهتمام، فيما أتاحت صيغة التحدي لأي شخص أن يصنع نسخته، ليحقق أكثر من 17 مليون فيديو مرتبط بالتحدي على منصات التواصل الاجتماعي!
نستحضر هنا النظرية الاتصالية: "ترتيب الأولويات"، فقد يؤثر الإعلام في القضايا التي يراها الناس جديرة بالاهتمام، وقد ينجح مقطع في جعل الناس يسألون عن قضية غائبة عن النقاش، لكن هل تبدّل موقفهم؟ قد يشاهد شخصان المقطع نفسه عن تعثر خدمة، فيراه أحدهما دليلًا على خلل متكرر، ويراه الآخر واقعة فردية. وإذا أعاد الاثنان نشره، فسيظهران كتفاعلين مع المحتوى، على الرغم من اختلاف ردة فعلهما.
لهذا لابد أن نفرق بين أربعة أمور عند تحليل أي "ترند"، الوصول يعني أن الناس شاهدوا، الاهتمام يعني أنهم بدأوا يسألون ويتحدثون عنه، تغيّر الموقف يعني أن نسبة من الجمهور أعادت النظر في رأيها، والسلوك هو ما يحدث بالفعل، كالتبرع أو التسجيل أو تقديم شكوى.

