بين الجهود الدبلوماسية الحثيثة، وفي مقدمتها الوساطة القطرية والتحركات الباكستانية والتركية الرامية إلى التوصل لاتفاق من أجل استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وتجنّب تجدد الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، والتقارير المتداولة عن خطط يعدّها البنتاغون لتوجيه ضربات عسكرية إلى طهران؛ تتَّجه أنظار العالم إلى ما ستؤول إليه المنطقة في واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً، حيث تتجاوز تداعياتها حدود المنطقة إلى أمن الطاقة والملاحة واستقرار الاقتصاد العالمي. وفي إطار دعم جهود الوساطة القطرية والباكستانية، جاء اجتماع ممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، السعودية وتركيا وباكستان، مع القيادة الإيرانية في طهران، امتداداً لهذه الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتشجيع الحلول الدبلوماسية. غير أن أهمية هذا الاجتماع قد تتجاوز احتواء الأزمة الراهنة، لتفتح آفاقاً جديدة لترتيبات أمنية إقليمية أوسع، تبرز فيها السعودية بدورها القيادي في تعزيز توازن القوى ودعم الحوار. وهو ما يطرح السؤال الأهم: هل يمكن أن يشكل اتفاق مكة أرضية صلبة لبناء نظام أمني إقليمي أكثر استقراراً، تصبح فيه إيران جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، لا مصدراً دائماً لتهديده؟
اتفاقية مكة لم تقتصر أهميتها على تعزيز التعاون الدفاعي بين أطرافها، بل إلى ما يمكن أن تُسهم به في تعزيز توازن القوى في المنطقة وفتح المجال أمام الحوار والاستقرار الإقليمي. فالردع لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث مستعدة للحرب أو المواجهة، بل بالعكس قد يكون وسيلة لمنعها، حين يدرك كل طرف حدود القوة وتكلفة استخدامها. فالتاريخ يبيّن أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة، وإنما بوجود توازن يمنع أي طرف من فرض إرادته على الآخرين. وهي الفكرة التي تناولها هنري كيسنجر في كتابه الشهير «الدبلوماسية»، الذي استعرض فيه تجربة النظام الأوروبي الذي نشأ بعد مؤتمر فيينا عام 1815، حيث أسهم مبدأ توازن القوى، إلى جانب التفاهمات السياسية بين الدول الكبرى، في إرساء مرحلة طويلة من الاستقرار النسبي. وبالتالي يمكن لاتفاق مكة أن يكون فرصة لتعزيز التوازن الإقليمي، بما يجعل الردع داعماً للدبلوماسية، لا بديلاً عنها، ويمهد لبناء ترتيبات أمنية أكثر استقراراً وشمولاً.
كما أن اتفاقية مكة لن تكون بأي حال من الأحوال بديلاً عن التحالفات والشراكات الأمنية القائمة، وإنما إضافة تعزز منظومة الأمن الإقليمي وتتكامل معها. فالاتفاقية لا تتعارض مع الشراكة الاستراتيجية بين السعودية والولايات المتحدة، أو منظومة التعاون الدفاعي الخليجي، أو عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، أو الشراكات الدفاعية لباكستان، وإنما تفتح مجالاً أوسع للتعاون بين الدول الثلاث، بما يعزز قدراتها المشتركة ويُسهم في ترسيخ توازن القوى والاستقرار في المنطقة.
وتبقى إيران قوة إقليمية مهمة، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري، لا يمكن تجاهلها في أي ترتيبات مستقبلية للأمن الإقليمي. فالعمل على إشراكها تدريجياً في ترتيبات أمنية أوسع قد يكون خياراً يخدم استقرار المنطقة على المدى الطويل، شريطة استعداد إيران لتغيير سلوكها، من خلال احترام سيادة الدول، ووقف تدخلاتها عبر الجماعات المسلحة، والالتزام بأمن الملاحة وقواعد الأمن المشترك، بما يمهد لانتقالها من مصدر للتوتر إلى شريك في استقرار المنطقة. فالتجربة الأوروبية أثبتت أن إعادة دمج فرنسا وألمانيا بشكل تدريجي في النظام الأوروبي بعد الحروب التي شهدتها القارة، أسهمت في تحويلهما من مصدر للصراع إلى شريكين في الاستقرار، عبر ربط مصالحهما بقواعد مشتركة.
حين قال الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار عام 2018، إن الشرق الأوسط سيكون «أوروبا الجديدة»، وإن نهضة المنطقة هي «حربه الشخصية»، لم يكن يتحدث عن مستقبل السعودية وحدها، بل عن منطقة تمتلك من الطاقات الشبابية والموارد الاقتصادية والمقومات الاستراتيجية ما يؤهلها إلى أن تكون مركزاً عالمياً للنمو والازدهار. وهي الرؤية التي تجسّدها السعودية اليوم من خلال «رؤية 2030» وتحولاتها الاقتصادية والتنموية. وإيران ليست بعيدة عن هذه الفرص، بما تمتلكه من موارد طبيعية وقدرات بشرية واقتصادية كبيرة، غير أن عقوداً من الصراعات والتوترات والعزلة أسهمت في استنزاف إمكاناتها وتعميق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية. ولعلَّ الفرصة اليوم متاحة أمام طهران لإعادة النظر في أولوياتها، والانخراط في مسار إقليمي يجعل التنمية والتعاون بديلاً عن الصراع، والازدهار المشترك مصلحة تتقدم على حسابات النفوذ والمواجهة.
إنَّ مستقبل هذه المنطقة لا ينبغي أن يبقى رهينةً للصراعات والتوترات والاستنزاف، بل يجب أن يقوم على المصالح المشتركة وفرص التنمية والازدهار. فلا أحد يريد أن يرى إيران عراقاً آخر أو ليبيا أخرى أو سوداناً آخر، بما تحمله هذه التجارب من معاناة إنسانية وانقسامات وعدم استقرار. فالمطلوب ليس تغيير النظام الإيراني بقدر ما هو تغيير سلوكه، ليصبح جزءاً من استقرار المنطقة لا مصدراً لتهديدها. وهذه مسؤولية تقع أولاً على عاتق القيادة الإيرانية، التي عليها أن تدرك أن قوة الدول لا تقاس بقدرتها على تهديد جيرانها، بل بما توفره لشعوبها من أمن وكرامة وفرص لمستقبل أفضل.

