: آخر تحديث

انتخابات الكونغرس الأميركي ومنطقتنا

4
4
2

شهدت انتخابات الكونغرس الأميركي، بمجلسيه الشيوخ والنواب، تغيراتٍ مهمةً وجديرةٍ بالعناية، بحيث حدث ما هو معتادٌ دائماً أن الانتخابات النصفية للكونغرس في الفترة الثانية لأي رئيسٍ أميركي تتَّجه للحزب المعارِض للرئيس. والرؤساء الذين يخوضون الحروب، بغض النظر انتصروا أم انهزموا، يفقدون مجلسي الكونغرس بشكلٍ مستمرٍ ومتكررٍ، ولكن ما يخبرنا به منطق التاريخ وأحداثه وتقلباته هو أن الدول لا تنتصر بآراء الأغلبية ولا بمصالح الجماهير التي جبلت على الأنانية الفردية، بل تنتصر بوعي القيادة الحكيمة ورأي الحكماء والعقلاء والمتخصصين في كل مجالٍ، أما الشارع فيبقى شارعاً.

حرب فيتنام أسقطت الرئيس ليندون جونسون وسقط جورج بوش الأب بعد انتصاره المدوّي في حرب الخليج الثانية وإسقاطه الاتحاد السوفياتي والانتصار في الحرب الباردة لمصلحة شابٍ اسمه بيل كلينتون كان شعاره وقتها «إنه الاقتصاد يا غبي»، ولكن جورج بوش الابن خاض حروباً كبيرةً وواسعةً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) واستمر لولايتين، والخسارة المدوية اليوم للحزب الجمهوري في المجلسين إنما تعبّر عن رفضٍ فردي للحروب لدى المواطن الأميركي العادي، كما تعبّر عن قدرة «اليسار الليبرالي» الأميركي على رصِّ الصفوف وحشد الجماهير وتجييش الرعاع نحو تأييده للوصول لسدة القرار في أميركا كيفما تجلّت.

من الجيد أن نفهم أن العالم منقسمٌ بين يمينٍ ويسارٍ، بين محافظين وليبراليين، بين ملكياتٍ وجمهورياتٍ، بين دعمٍ للاستقرار ودعمٍ للفوضى، وهذا الانقسام له تجلياتٌ سياسيةٌ واضحةٌ، وجمهورية أوضح، وله تمثلات عبَّرت عنها الأحزاب والجماعات والتنظيمات، وله انحيازاتٌ يعبّر عنها الكتّاب والمثقفون والباحثون. والرموز السياسية الأميركية المنتخبة من المواطنين الأميركيين هم أولاً وقبل كل شيء مواطنون أميركيون يعبرون عن ناخبيهم وأحزابهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية، ومواقفهم مما يجري في الشرق الأوسط أو الدول العربية والإسلامية تنبع من هذا المنطق أولاً، ثم من توجهاتهم التي ورثوها من بلدانهم الأصلية.

إلهان عمر أو رشيدة طليب هما سيدتان منتخبتان عن الحزب الديمقراطي وهما منحازتان دائماً وأبداً لمعظم ما هو ضد الدول العربية ومصالحها، ولئن لحق بهما السيد عبد الرحمن السيد في هذه الانتخابات، فينبغي للمتلقي العربي أن يفهم أن هؤلاء وأشباههم في أميركا لا يمثلون الدول العربية والإسلامية، لا ديناً ولا شعوباً ولا دولاً ومصالح سياسية، بل إن بعضهم ينتمي بشكلٍ صريحٍ أو شبه صريحٍ لكل ما يعادي دولنا واستقرارنا وقيمنا وثقافتنا.

مثيرٌ جداً لأي مراقبٍ وراصدٍ وباحثٍ أن ثمة طبقةً من المثقفين العرب المرتزقة، والذين يجمعون بين الجهل والجرأة، ليصبحوا نموذجاً صارخاً عمن كانت تسميهم العرب «اللئام على موائد الكرام»، فهم يقتاتون كل عمرهم على مروءة وقيم حكّام الخليج ثم لا يلبثون عند كل منعطفٍ وكل أزمةٍ إلى اتخاذ مواقف معاديةٍ تماماً لدول الخليج العربية ولقياداتها وسياساتها، ويكتبون ساخرين بثقافة وقيم العرب المتمثلة في شعوب الخليج العربي، مستنقصين لها وموالين لغيرها، في مواقف يندى لها جبين الإنسان الكريم أياً كان محتده.

الترابط الكبير والواسع والمتشعب، فكرياً وآيديولوجياً وسياسياً بين «اليسار» الغربي وجماعات الإسلام السياسي في «الأسس» و«المبادئ» و«الخطاب» و«الجماعات» و«التنظيمات» و«الحركات» وفي المواقف شبه الموحدة تجاه الأحداث الكبرى والصغرى في منطقتنا إنما ينبئ عن تحالفٍ واسعٍ واستراتيجيٍ قد يضرّ كثيراً بالمنطقة دولاً وشعوباً.

قل مثل هذا تماماً عن مناصري الإسلام السياسي بنسخته الشيعية في أميركا، حيث استطاع «نظام الملالي» في إيران أن ينجح على مستويين مهمين: الأول هو دعم وخلق «جماعات» و«تنظيمات» الإرهاب السني والتكفل بتدريباتها وبناء استراتيجياتها وتعيين قادتها وتوجيه مهامها نحو خدمة مشروعه الإقليمي في التوسع، وكذلك من خلال بناء تنظيمات وميليشيا «الأقليات المتوحشة» والتي عبّرت ببشاعةٍ عن «تطرف» الإسلام السياسي الشيعي سواء في «حزب الله» اللبناني أم في تنظيمات الإرهاب الشيعي في العراق أم في «ميليشيا الحوثي» في اليمن.

أما الصفّ الخامس التابع لجماعات الإسلام السياسي «شيعياً» و«سنياً» والمتوافق مع «اليسار الغربي» فحدث ولا حرج، فبعض هؤلاء يظهر رفض الانتساب لهذه الجماعات، ولكنه لا يترك قضيةً تخدمهم ولا حدثاً ينفعهم ولا قصةً تضر بدول الخليج وقياداتها وشعوبها إلا وانتمى إليها وزايد فيها سواء كان ذلك في شرق الأرض أم غربها، في شمالها أم جنوبها، وما أكثر هؤلاء.

أخيراً، فما جرى في الانتخابات الأميركية الحالية أمرٌ معروفٌ تاريخياً، ويمكن التنبؤ به، وهو مهمٌ لأنه يؤثر على كل دول العالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد