كان يوم الثلاثاء الماضي موعد الانتخابات النصفية الأميركية المنتظرة، وقد اعتبرها أغلب المعلقين في أميركا وخارجها بمثابة استفتاء شعبي على رئاسة دونالد ترمب خلال العامين الماضيين. اتسمت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات بحذر شديد، خوفاً من تكرار أخطاء الانتخابات الرئاسية عام 2024، ومع ذلك فاجأت النتائج الساسة والمعلقين وخبراء الاستطلاعات. وحسب توقعات الشبكات الأميركية، وقع الكونغرس بغرفتيه في قبضة الديمقراطيين، وبدأنا نقرأ ونسمع تصريحات مسؤوليهم عن الإجراءات التي ينوون اتخاذها ضد الرئيس وإدارته.
اللافت أن ردّ فعل الرئيس ترمب اتسم بهدوء لم يُعرف عنه، فقد أبدى استعداده للتعامل مع النواب والشيوخ الديمقراطيين. وكان بعض المعلقين يظنون أنه سيرفض النتائج، لكنه أعلن قبوله بها، وإن عزا الخسارة إلى غيابه عن ورقة الاقتراع رغم أنه حرص على تذكير الناخبين بأن اسمه لم يكن مطبوعاً عليها. هذا القبول يُعد بداية حسنة، لكن، واقعياً، ومن تجارب سنوات سابقة، لا يُعوَّل عليه كثيراً في الأسابيع والشهور المقبلة، حين يبدأ الكونغرس الجديد عمله ويعلو ضجيج المعارك.
خسارة حزب الرئيس في الانتخابات النصفية في أميركا ليست بالأمر المثير للاستغراب غير المسبوق، فلم ينجُ منها إلا قلة من الرؤساء. وربما لذلك جاء ردّ الرئيس ترمب هادئاً، لعلمه أنه مهما أسرف في مدح نفسه فلن يفلت من قانون الجاذبية.
أما السؤال عن طبيعة المعارك المقبلة مع كونغرس تسيطر عليه المعارضة بغرفتيه، فيستدعي النظر في أسباب هذا الوصول غير المتوقع إلى سدة القرار؛ إذ ما كان ذلك ليحدث لولا ما رافق الحرب الإيرانية من ارتفاع في أسعار الوقود وتضخم طال الاقتصاد الأميركي واقتصادات دول أخرى، وكان الرئيس قد رفع شعار معارضة الحروب في كل حملاته الانتخابية سواء في ولايته الأولى أو الثانية، إلا أنه دخل بعينين مفتوحتين الحرب مع إيران ولم ينهها حتى الآن. فعبّر الناخبون عن إحباطهم وغضبهم من غلاء المعيشة بالتصويت للمرشحين الديمقراطيين، حتى في ولايات تُعدّ تاريخياً معاقل جمهورية.
قد يجد من يتذكر الانتخابات البريطانية في صيف 2024 تشابهاً بين الحالتين. فحزب العمال، الذي عاد إلى الحكم بعد غياب دام أربعة عشر عاماً، لم يفز ببرنامجه الانتخابي بقدر ما فاز بضيق الناخبين من المحافظين وسياساتهم وانقساماتهم.
مسيرة الرئيس ترمب منذ دخوله السباق الرئاسي الأول في عام 2016 تميَّزت بحرصه على عدم التزام قواعد المعجم الدبلوماسي وقواعد اللعبة السياسية، محلياً ودولياً. الأمر الذي أوقعه في مطبات كثيرة مع حلفائه قبل خصومه، وزاد عدد خصومه على نحو غير عادي. وهذا ما ميّز ولايتيه الأولى والثانية، وجعلهما نتوءاً ملحوظاً في تاريخ أميركا.
لقد أرسل الناخبون إلى البيت الأبيض رسالة إحباط واضحة، وبدا أن المقيمين فيه تسلَّموها وتقبّلوا النتائج. ربما لأنَّهم يعلمون أن عامين آخرين قد يتيحان ترميم ما حدث، وأن فقدان الأغلبية في الغرفتين ليس نهاية العالم، وأن إدارات سابقة عاشت التجربة ذاتها. فهل سنرى خلال العامين المقبلين وجهاً مختلفاً للرئيس، أم نتوقع العكس؟
يضع أغلب المعلقين ثقلهم في الكفة الثانية، فأمثال ترمب لا يتغيرون بين يوم وليلة، وتنتظر النواب والشيوخ معارك كثيرة معه. ويبقى مهماً ألا نُعوّل على تغيير في السياسات الأميركية، سواء في منطقتنا العربية أو في غيرها. فليس مهماً أن يكون ساكن البيت الأبيض ديمقراطياً أم جمهورياً؛ إذ علمتنا التجارب أن الحزبين يختلفان في أمور كثيرة، لكنهما يتفقان على دور أميركا في العالم وهيمنتها، والاختلاف يقتصر على وسيلة تحقيق ذلك الهدف.

