: آخر تحديث

أي دمعة حزن يا وزارة الثقافة لا لا !

5
5
3

كتب الأستاذ زين أمين (البلاد) بعنوان «عندما يبكي المبدعون»: «هناك زمن تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يبدعه، وهناك زمن يُقاس فيه بما يملكه أو بعدد متابعيه! وبين الزمنين تقف المجتمعات أمام سؤال مخيف: هل نحن نتقدم حضاريًا، أم نتقدم تقنيًا ونتراجع إنسانيًا؟يروي فيه المشهد الحزين للأديب الجزائري حامد ياسين، الذي بكى أمام قاعة شبه خالية خلال حفل توقيع روايته الجديدة.مشهد يتجاوز دموع كاتب إلى دموع الثقافة نفسها، ويطرح سؤالًا يستحق البحث كيف يصل مجتمع إلى مرحلة يجد فيها صانع المحتوى العابر آلاف المعجبين، بينما قد يجلس صاحب الفكر والإبداع وحيدًا ينتظر قارئًا؟».في الحقيقة لم يكن الكاتب الجزائري حامد ياسين يبكي كتابًا أخفق في الوصول إلى القرّاء بل كان يبكي شيئًا أعمق من ذلك بكثير، كان يبكي تعب السنين، ووجع الكلمات التي انتظر أن تجد من يصغي إليها، وحلمًا صغيرًا راوده وهو يتأهب للقاء قرائه، فإذا به يقف وحيدًا أمام مقاعد خالية، وكتاب ينتظر الأيدي التي تتلقفه، والعيون التي تتصفح صفحاته، والعقول التي تحاوره، فلا يجد حوله سوى صمت ثقيل يضاعف وحشته ويكسر خاطره.يا لوجع قلبه وهو يرى كتابه أمامه، وقد جمع فيه خلاصة فكره، وعصارة تجربته، وشيئًا من روحه وذكرياته وأحلامه، ثم يمد بصره نحو القاعة فلا تقع عيناه على وجه جاء من أجله، ولا يسمع صوتًا يسأله عن فكرة خطرت له، أو عبارة استوقفته، أو معنى أراد أن يستوضحه! لينقلب إليه بصره خاسئاً وهو حسير فبكى!مشهد قاسٍ على كاتب قضى أعوامًا يكتب، حتى خرج كتابه إلى النور، مؤمنًا بأن هناك من ينتظره في الضفة الأخرى من الحروف.أجهش ياسين بالبكاء، فأبكى كل مثقفي العالم معه.السؤال: من الذي أوصله إلى هذه اللحظة؟ أهو وحده الذي بالغ في أحلامه، أم نحن الذين ابتعدنا عن الكتاب حتى غدت قاعات التوقيع تنتظر جمهورًا لا يأتي، وأصبح الكاتب يتهيأ للاحتفاء بمولوده الفكري، ثم يعود محمّلًا بخيبة لا يعرف كيف يفسرها؟تركنا الكتاب يتراجع في حياتنا حتى كاد يصبح ضيفًا غريبًا في بيوتنا، ونحن الذين سمحنا لضجيج الحياة اليومية ولهاث الاستهلاك وملاحقة الشاشات أن يسرق منا متعة الجلوس مع كتاب، ومصاحبة فكرة، والسفر مع الكلمات إلى عوالم لم نعرفها من قبل.صرنا نستهلك مئات الرسائل والمنشورات في اليوم الواحد، وننتقل بين الصور والمقاطع بسرعة مذهلة، حتى قرود الذكاء الاصطناعي ومقاطع التفاهة لها مكان ونبخل بساعة واحدة نقضيها مع كتاب يوسع مداركنا، ويهذّب مشاعرنا، ويمنحنا فرصة للتفكير خارج أسر اللحظة العابرة.إن مشهد الكاتب الباكي يضع أمامنا حقيقة موجعة ثمة خلل في علاقتنا بالكتاب، وأن نبحث عن أسبابه بدل الاكتفاء بالتعاطف مع صاحبه ثم نمضي كأن شيئًا لم يحدث.مسؤولية إعادة الاعتبار للكتاب لا تقع على الكاتب وحده، هناك دور نشر يفترض أن تصبح شريكًا حقيقيًا في التعريف بالمؤلف، والترويج لأعماله، وتنظيم لقاءات جادة تضعه في مواجهة قرّائه.وزارة الثقافة، مسؤوليتها أوسع من تنظيم المعارض والمهرجانات والاحتفاء بالمناسبات.الثقافة لا تُقاس بعدد الأجنحة التي تزدحم بالزوّار، ولا بعدد الفعاليات التي تملأ الجداول، بل بما تتركه في حياة الناس من أثر، وما تغرسه في نفوس الأجيال من حب المعرفة، وما تتيحه للكتاب الجيد من فرص للوصول إلى القرّاء.نحتاج إلى سياسات ثقافية تجعل القراءة جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية، لا نشاطًا موسميًا نستحضره مع افتتاح معرض الكتاب ثم ننساه بعد إغلاق أبوابه.نحتاج إلى مكتبات عامة، وإلى أركان مخصّصة للاطلاع في المراكز التجارية ومحطات الانتظار والمرافق العامة، للقراءة بيسر وسهولة. نحتاج إلى مبادرات تستهدف الأطفال والشباب، وتشجع القراءة الواعية، ولقاءات تجمع المؤلفين بالناس، وبرامج تتيح استعارة الكتب وتبادلها في المدارس والجامعات. لماذا لا تتبنى وزارة الثقافة برامج مستدامة لاستضافة المؤلفين، وشراء نسخ من الكتب الجيدة وإتاحتها للمكتبات العامة، ودعم الأعمال المتميّزة وفق معايير مهنية واضحة، بعيدًا عن المجاملة والمحسوبية؟الكاتب الذي يجلس وحيدًا أمام كتابه لا يحتاج إلى دموع المواساة وحدها؛ يحتاج إلى منظومة ثقافية تحترم جهده. يا وزارة الثقافة في حراكك المبارك أعيدي إلينا شغف القراءة قبل أن يبكي كاتب آخر، فكم من كاتب يكتب في صمت، وكم من كتاب جيد يختنق على الرفوف، وكم من موهبة تنطفئ لأن الطريق إلى القارئ أصبح أشق من احتمال صاحبها؟ليس المطلوب أن نحضر حفلات التوقيع، ولا أن نشتري كل كتاب، بل أن نعيد للقراءة مكانتها، وأن نمنح الكتاب فرصة ليكون جزءًا من بيوتنا ومجالسنا ومدارسنا وأماكننا العامة. فالأمم التي تريد مستقبلًا أكثر وعيًا لا تكتفي ببناء الطرق والجسور، بل تبني العقول أيضًا، ولا تحتفي بالمبدعين في المناسبات وحدها، بل تهيئ لهم البيئة التي تسمح لأفكارهم بأن تصل وتؤثر وتبقى..حامد ياسين، سيظل سؤالًا مفتوحًا في وجوهنا جميعًا.وقف رجل أمام كتابه، ينتظر قرّاءه، فلم يجدهم، فبكى... فهل نبكي معه قليلًا، ثم ننساه، أم لعلها دموع بداية لمراجعة ثقافية تعيد للكتاب مكانته، وللكاتب اعتباره، وللقراءة شغفها؟بكى الكاتب أمام المقاعد الخالية، لكن الخسارة الحقيقية لا تخصه وحده؛ إنها خسارتنا جميعًا، إذا تركنا الكتاب وحيدًا، ثم تساءلنا بعد ذلك لماذا ضاقت بنا المعرفة، وشح الحوار، وتراجعت قدرتنا على التفكير.وزير الثقافة، وأنتم رأس الهرم الثقافي وأحد رجال الرؤية، امسح بمنديل القدرة دموع المثقفين واجعل لهم مكاناً علِيًا في وطن «اقرأ».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد