حين قال بشار بن برد قبل قرونٍ طويلة:
ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ... يواسيكَ أو يسليكَ أو يتوجّعُ
كان يصف عالمًا لا تزال المروءة فيه عملةً رائجة؛ عالمًا إذا ضاق فيه صدر المكلوم، التفت حوله فوجد من يقاسمه الهمّ فعلًا، أو يهوّنه عليه قولًا، أو يشاركه الحُرقة قلبًا.
لكن الشاعر الأعمى الذي أبصر ببصيرته مراتب النبل الإنساني، لم يدرك زماننا هذا؛ الزمان الذي تراجعت فيه المروءة، حتى أصبح العثور على مَن "يتوجّع" معك بصدقٍ غايةَ ما يرجوه المقهور. أدركتُ هذا المعنى قبل أيام، في لحظاتٍ جعلت صدى هذا البيت لا ينقطع في نفسي.
ففي اجتماع عملٍ في مكتبي بالرياض، شارك مع ضيوف الاجتماع موظفٌ يمنيٌّ مغترب لم تسبق لي به معرفةٌ كبيرة. مضى النقاش في مساره، لكنني كنت ألاحظ رجلًا غائبًا عن المكان؛ يطوي صمته بتوتر، ويُحدّق في نقطةٍ فارغة، وفي عينيه دمعٌ حبيسٌ يصارع كي لا يفضحه.
انفضّ الاجتماع، وودّعتُ الضيوف عند الباب، ثم عدتُ إلى مقعدي. وما هي إلا دقيقتان حتى عاد ذلك الموظف اليمني وحده.
دخل ووقف وسط المكتب. لم يمهّد للحديث، ولم يبحث عن مقدمات، بل ألقى فجيعته دفعةً واحدة وبصوتٍ متهدّج: "الحوثيون أخذوا ابن أختي الطفل يحيى إلى الجبهة، ولا نعلم عنه شيئًا منذ أسبوعين".
أعلمُ أن خال الطفل يدرك أني لا أستطيع إعادة يحيى إلى حضن أمّه، لكنه اختنق بصمته، فدفعته قلة الحيلة إلى البحث عن صدرٍ يفرغ فيه بعض حمولته. حاولتُ مواساته بكلمةٍ خافتة: "لعله يعود". فمسح دمعةً غلبته، وأجابني بصوتٍ منكسرٍ كأنه ينطق بحكم إعدام: "يضعون الصغار في الصفوف الأمامية، واحتمال ألّا يعود تسعةٌ وتسعون بالمئة".
ساد بيننا صمتٌ لثوانٍ ثقيلة؛ فلم تكن في اللغة كلمةٌ تتسع لهذا الرقم. ألقى الخالُ المكلوم حِمله في مكتبي ومضى، تاركًا وراءه وجعًا يملأ المكان. وجعٌ قطع رحلةً طويلةً وصامتة؛ وُلد هناك في اليمن، في صدر أمٍّ انتُزع طفلها من بين يديها، ثم عبر الحدود في اتصالٍ هاتفيّ ليحرق قلب شقيقها الذي يسمع نحيب أخته ولا يملك لها حيلة، ومن عينيه المغرورقتين أمامي، انتقل الوجع واستقرّ كاملًا في صدري.
أغمضتُ عينيّ، فلم أعد الرجل الذي كان قبل دقيقتين. هنا برز بشار بن برد يرنّ بيته في أذني، وصورةُ أمّ الطفل ترتسم في خيالي، ومنظرُ الخال يهزّ وجداني وهو يلتمس أدنى مراتب المروءة: أن "يتوجّع" أحدٌ معه. أدركتُ لحظتها أنني عجزتُ عن "المواساة" و"التسلية"، ولم يبقَ لي من بيت بشار إلا "التوجّع". غير أن التوجّع حين يصدق، لا يقف عند حدود الحزن، بل يفتح البصيرة على فداحة ما يجري.
فالمروءة في الحقيقة اختُطفت يوم اختُطف يحيى، وبعد أن اختُطف اليمن؛ وقبل أن تصل شكوى هذا الفقد إلينا، فإنها تطرق أبواب اليمنيين الأحرار في أرضهم. كأنّ بشار بن برد، حين نطق ببيته القديم، كان يتحدث بلسان أمّ يحيى وهي تقف اليوم في ساحات اليمن، تستنصر شهامة القبائل اليمنية الأصيلة الرازحة تحت القهر والسلاح؛ تلك القبائل الأبيّة التي شُيّدت أعرافها على نجدة المستغيث، وصونِ حُرمة المرأة، وعدّت المساس بالطفل "عيبًا مشينًا" تأنف منه النفوس الحرة. فلم يكن من شيم الرجل اليمني الشجاع قطّ أن يقدّم الصغار إلى حياض الموت، أو يتمترس في حروبه خلف أجساد الأطفال، وخلف لوعة أمهاتهم، وقهر آبائهم العاجزين.
هذه الممارسات الغريبة عن اليمن وشيم العرب استدعت إلى ذاكرتي موجات الأطفال البشرية إبّان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي؛ حين كان النظام الإيراني يعلّق "مفاتيح الجنة" البلاستيكية حول أعناق الصغار ويدفع بهم بأجسادهم الغضّة لفتح حقول الألغام، ويوزّع على طلاب المدارس حصّالاتٍ على هيئة قنابل يدوية ليربط الطفولة بالموت. وهنا يتكشّف سرّ هذا المنهج الدخيل الذي يتكامل بإتقان مع مخططاتٍ إقليمية لا ترى في الطفل، سواء في إيران بالأمس أو في اليمن اليوم، إلا وقودًا للمحرقة، ومادةً خامًا لتقديس الحرب والمتاجرة بدماء الضحايا.
إن وجع أمّ يحيى اليوم ليس في طفلٍ واحدٍ اقتيد إلى الخنادق، بل في إخوته الصغار وأقرانه الذين ينتظرون دورهم على مقاعد الدراسة كـ"ذخيرةٍ جاهزة" لحروبٍ ليست حروبهم. ولا يملك خاطفٌ أن يتذرع بأن بعض هؤلاء الصغار يذهبون بأقدامهم؛ فغسل دماغ الطفل القاصر في فصله الدراسي هو اختطافٌ لعقله قبل اختطاف جسده، واستدراجٌ لبراءته إلى محرقةٍ لا يدرك معناها.
وصاحب المروءة لا يحتاج إلى الذهاب بعيدًا ليتثبّت من هذه الجريمة المنظمة؛ فتقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي الصادر في تشرين الأول (أكتوبر) 2025 يوثّق كيف حوّل الحوثيون المدارس والمراكز الصيفية إلى معسكرات تعبئةٍ تخرّج فيها نحو ستةٍ وخمسين ألف طفل، وكيف يُحرم الطالب من شهادته الدراسية إن تغيّب عن دوراتهم الصيفية، وتُحرم الأسرة الفقيرة من السلة الغذائية وأسطوانة الغاز إن رفضت تجنيد أبنائها. بل يكفي أيَّ شهمٍ أن يبحث في يوتيوب عن تجنيد الأطفال في اليمن، ليشاهد بالصوت والصورة كيف يُمارس القتل الممنهج للطفولة.
وهذا الوجع، حين ينتقل اليوم من صدر خال الطفل إلى صدري، ومنه إلى صدر القارئ، يضع الجميع أمام امتحان المروءة المفقودة.
فأقلّ ما تفرضه المروءة على مَن يصله خبر يحيى ألّا يقبل الواقفين في المنطقة الرمادية؛ إذ لم يعد مقبولًا من حكوماتٍ، أو محللين، أو إعلاميين أو قنوات أن يتخذوا "مواقف المنتصف"، ولا سيما أولئك الذين يزجّون باسم المملكة العربية السعودية، ويساوونها بالخاطف، أو يحمّلونها وزر مأساة اليمن، في حين أنها هبّت بمروءة الدولة وشهامة الجار وأعراف العرب لنصرة الشرعية وصون كرامة اليمنيين. فإذا رأيتم مَن يوجّه سهامه إلى السعودية، فاتّهموه في مروءته؛ لأنه يتعمّد التغطية على الحقيقة، وينقل التهمة من قاتل الأطفال وحارق قلوب أمهاتهم إلى مَن يقف لحمايتهم، ويشكّك في أصالة موقفٍ خاضت فيه دولةٌ مسؤولة أصعبَ امتحانٍ أخلاقي وعسكري: أن تواجه عصاباتٍ منفلتةً تحرّكها أيديولوجيا عمياء، وليس لديها ما تخسره في سبيل معتقداتها.
كما لم يعد مقبولًا أن يبتلع أحدٌ روايةً تستثير العواطف بادّعاء نصرة المظلومين في أرضٍ أخرى؛ فكيف يستقيم في عقل ذي مروءة أن يدّعي خاطفُ الأطفال نصرةَ أمٍّ مكلومةٍ في مكانٍ آخر، وهو يحرق قلب أمّ يحيى في بيتها؟ بل إن تلك الأمّ البعيدة، التي يتاجرون بقضيتها العادلة في خُطبهم، هي أول مَن يتوجّع لأمّ يحيى، وأول مَن يبرأ ويرفض أن تكون مظلوميتها غطاءً لسرقة أطفال اليمن. فالمروءة لا تقبل القسمة؛ ومن يبرر لخاطف الطفل تحت أي لافتةٍ سياسية، إنما يشاركه في تغييبه.
لقد بقيتُ بعد خروج الخال أفكر في كلمته حين قدّر أن احتمال عدم عودة ابن أخته يبلغ تسعةً وتسعين بالمئة؛ فالتقطتُ من بين دموعه ذلك "الواحد بالمئة" الباقي، وقلتُ في نفسي: لعلّ خيط الرجاء هذا، المعلّق بالله في قلب أمّه، يعادل ألفًا بالمئة من حسابات البشر وإجرام الميليشيات المنفلتة. فبعد أن غيّب المجرمُ المروءةَ في اليمن، لم يبقَ بعد التوجّع إلا الدعاءُ لله أن يستنهض بهذا "الواحد بالمئة" نخوةَ مَن لم يفقدوا الرجولة والمروءة هناك، فيعيدوا يحيى وأقرانه إلى أحضان أمهاتهم.
أطلبُ من العرب أصحاب المروءة الذين لامسهم هذا الوجع أن يدعوا الله أن يعيد يحيى إلى أمّه، وألّا تهزّهم حملات المظلومية الزائفة فينسَوا يحيى وعشرات الآلاف من أقرانه؛ فاحذروا المواقف الرمادية، وكونوا مع الحق، وكونوا مع أمّ يحيى، واقطعوا عليهم ضجيج الشعارات، وحاصروا كلّ مقالٍ أو مقابلةٍ أو منشورٍ في منصات التواصل، وتذكّروا لوعتها ونداء بشار بن برد: "ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءة"؛ واسألوهم في كلّ مناسبة: أين المروءة الغائبة؟ أين الطفل يحيى؟


