ليست أخطر الأزمات السياسية تلك التي تنشأ من خلاف على منصب أو تتعثر بسبب تشكيل حكومة، بل تلك التي تبدأ حين يفقد الشركاء القدرة على الاحتكام إلى مؤسسة واحدة، ويصبح لكل طرف تصوره الخاص للسلطة وحدودها ومرجعيتها. عند هذه النقطة، لا يعود الخلاف مجرد تنافس سياسي على النفوذ، بل يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام على حماية وحدته واستيعاب تناقضاته. وهذا تحديدًا ما يواجهه إقليم كردستان العراق اليوم؛ أزمة تتجاوز حسابات الحزبين الرئيسيين، لتضع مستقبل الشراكة السياسية ووحدة المؤسسات أمام مفترق طرق بالغ الحساسية.
فمع إعلان الاتحاد الوطني انسحابه من الحكومة، ورفضه الاعتراف بمخرجات جلسة برلمان الإقليم، والتلويح بتشكيل مؤسسات موازية، انتقل الخلاف إلى مساحة أكثر حساسية، تتصل بوحدة المؤسسات ومرجعية القرار ومستقبل النظام السياسي في الإقليم.
وجاء التصعيد عقب استئناف برلمان كردستان جلساته في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر)، بعد نحو عامين من التعطل، بحضور 52 نائبًا من أصل مئة، وانتخاب هيئة رئاسة البرلمان، في خطوة قاطعتها قوى سياسية، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني. وبينما يستند مؤيدو الجلسة إلى اكتمال النصاب، يطعن المعترضون في شرعيتها السياسية والإجرائية، معتبرين أنها تجاوزت أسس الشراكة والتوافق.
لكن المسألة تتجاوز الخلاف على جلسة برلمانية أو توزيع المناصب؛ فالسؤال الأعمق هو ما إذا كانت المؤسسات قادرة على استيعاب التنافس السياسي، أم أن الخلافات الحزبية تتجه إلى إعادة إنتاج مراكز سلطة متنافسة.
من التنافس السياسي إلى ازدواجية السلطة
الانسحاب من الحكومة حق سياسي، كما أن مقاطعة البرلمان أو الاعتراض على قراراته من أدوات العمل السياسي. غير أن هذه الممارسات تختلف جذريًا عن إنشاء مؤسسات تنفيذية موازية تنازع السلطات القائمة اختصاصاتها.
فحين يصبح احتمال تعيين رئيس للإقليم أو تشكيل حكومة ووزارات في منطقة بعينها جزءًا من الرد على قرارات الطرف الآخر، لا يعود الأمر مجرد خلاف على إدارة الحكومة، بل يطرح تساؤلات حول وحدة البنية الدستورية للإقليم، وحدود السلطة، والجهة التي تمتلك حق تمثيله وإدارة شؤونه.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين اللامركزية الإدارية، التي تتيح توسيع صلاحيات المحافظات وإدارة شؤونها المحلية، وبين إنشاء سلطة إقليمية موازية تمتلك مؤسسات وصلاحيات تنازع حكومة الإقليم القائمة. فالأولى يمكن بحثها ضمن الأطر القانونية، أما الثانية فتتطلب أساسًا دستوريًا لا توفره القرارات الحزبية المنفردة.
ماذا يقول الدستور؟
يعترف الدستور العراقي لعام 2005 بإقليم كردستان وسلطاته القائمة بوصفه إقليمًا اتحاديًا، وفق المادة 117، فيما تحدد المادة 120 حق الإقليم في وضع دستور ينظم هيكل سلطاته وصلاحياتها، وتمنح المادة 121 سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية ضمن الإطار الدستوري الاتحادي.
ولا تمنح هذه النصوص حزبًا سياسيًا أو محافظة، بإرادة منفردة، حق إنشاء حكومة إقليمية موازية أو تعيين رئيس مستقل للإقليم خارج الآليات الدستورية.
وفي المقابل، تتيح المادة 119 لمحافظة أو أكثر تكوين إقليم اتحادي جديد، بناءً على طلب من ثلث أعضاء مجلس المحافظة المعنية أو عُشر ناخبيها، على أن يخضع الأمر للاستفتاء وفق الإجراءات القانونية.
وهذا يعني أن المطالبة بإدارة محلية أوسع للسليمانية تختلف عن مشروع تأسيس إقليم اتحادي جديد، كما يختلف الأمران عن تشكيل سلطة موازية بقرار حزبي. فلكل مسار شروطه وآلياته، ولا يمكن الخلط بينها أو تجاوزها تحت ضغط الصراع السياسي.
بغداد بين وحدة الإقليم والمرجعية الدستورية
لا يمكن فصل تداعيات الأزمة عن العلاقة بين أربيل وبغداد. فأي ازدواج في مراكز القرار أو تضارب في الصلاحيات قد يضعف قدرة الإقليم على التفاوض مع الحكومة الاتحادية، ويعقّد ملفات الموازنة والموارد والصلاحيات الأمنية والإدارية.
أما النزاعات المتعلقة بتفسير الدستور وحدود اختصاص السلطات الاتحادية والإقليمية، فتندرج ضمن المسارات القضائية التي حددتها المادة 93 للمحكمة الاتحادية العليا.
لكن التحدي أمام بغداد لا يتمثل في الانحياز إلى طرف سياسي على حساب آخر، بل في التعامل مع الأزمة ضمن الإطار الاتحادي والدستوري، بما يحفظ وحدة المؤسسات ويمنع تحول الخلاف الحزبي إلى واقع إداري متنازع عليه.
الاقتصاد في مواجهة الانقسام
لا تقف كلفة الأزمة عند حدود السياسة. فالإقليم يواجه ملفات مالية واقتصادية حساسة، من رواتب الموظفين والموازنة إلى النفط والطاقة والاستثمار. وأي تضارب في القرارات أو تعدد في المرجعيات التنفيذية قد يضيف تعقيدات جديدة إلى هذه الملفات، ويؤثر في ثقة المستثمرين وقدرة المؤسسات على التخطيط.
وفي اقتصاد يتأثر بتقلبات أسواق الطاقة والظروف الجيوسياسية، لا تمثل وحدة القرار المؤسسي ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لإدارة الموارد وحماية الاستقرار.
هل يمكن استعادة الشراكة؟
لا تعني الأزمة أن الانقسام أصبح أمرًا محتومًا، لكنها تكشف هشاشة الشراكة عندما تتحول المؤسسات إلى امتداد للصراع بين القوى السياسية بدلاً من أن تكون الإطار الذي ينظم تنافسها.
إن تجاوز المرحلة لا يتطلب اتفاقًا جديدًا على توزيع المناصب فحسب، بل قواعد أكثر وضوحًا للشراكة، وآليات تضمن استقلال المؤسسات، وتحدد المسؤوليات والصلاحيات، وتحول دون استخدام الموارد العامة أو مؤسسات الحكم في إدارة الخلافات الحزبية.
فالتحدي الحقيقي أمام إقليم كردستان ليس تحديد الطرف الذي يحقق مكسبًا سياسيًا في هذه الجولة، بل الحفاظ على نظام اتحادي قادر على استيعاب التعددية من دون أن تتحول إلى تعدد في السلطات والمرجعيات.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرة الأحزاب على الوصول إلى السلطة أو الانسحاب منها، بل بقدرتها على إدارة خلافاتها من داخل المؤسسات واحترام قواعدها. وعندما يصبح لكل طرف تصوره الخاص للسلطة ومؤسساتها، فإن الخطر لا يعود محصورًا في تعثر تشكيل حكومة، بل يمتد إلى مستقبل الإقليم ووحدة قراره السياسي والإداري.


