ستبقى نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي انتهت بهزيمة قاسية للحزب الجمهوري وخسارته السيطرة على مجلسَي الكونغرس، مثارًا للنقاش والتحليل خلال الأشهر المقبلة، ليس فقط بسبب حجم الخسارة، بل لما تحمله من دلالات سياسية تتجاوز الحسابات الانتخابية التقليدية.
وفي حين سارع نائب الرئيس جي دي فانس إلى تحميل الحرب على إيران المسؤولية الأساسية عن الهزيمة، فإن قراءة أكثر تمعنًا في النتائج، وفي مسار سياسات الإدارة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2025، تكشف أن اختزال الخسارة في الحرب وحدها ينطوي على قدر كبير من التبسيط. فالحرب، على أهميتها، كانت عاملًا إضافيًا ضمن مجموعة من الأزمات والتراكمات التي أخذت تتفاعل مع بعضها، إلى أن وصلت إلى صناديق الاقتراع.
لا شك أن الحرب على إيران، التي بدأت في أواخر شباط (فبراير) 2026، لعبت دورًا في إضعاف الجمهوريين. لكن المشكلة لم تكن في الحرب وحدها، بل أيضًا في طريقة إدارة المواجهة، والتردد والتضارب في المواقف، وعدم القدرة على حسمها، فضلًا عن دخولها في حالة من الجمود منذ الربيع الماضي. وهكذا وجد الأميركيون أنفسهم أمام وضع لا هو حرب حُسمت أهدافها، ولا هو سلام أعاد الاستقرار إلى المنطقة وأسواق الطاقة. ومع امتداد المواجهة وارتفاع أسعار المحروقات، بدأ الناخب الأميركي يشعر بأن كلفة القرارات الخارجية باتت تنعكس مباشرة على حياته اليومية.
ومن المفيد هنا طرح سؤال افتراضي: ماذا لو جرت الانتخابات قبل اندلاع الحرب بأيام، وبعد مرور عام واحد على عودة ترامب إلى البيت الأبيض؟ من المرجح أن النتائج لم تكن لتكون تكرارًا للانتصار الجمهوري الساحق الذي تحقق في انتخابات 2024. فالإدارة كانت قد دخلت بالفعل في سلسلة من الملفات والسياسات التي أثقلت كاهل قطاعات واسعة من الناخبين، وأضعفت الثقة بقدرتها على الوفاء بوعودها الاقتصادية والمعيشية.
والتاريخ الأميركي يقدم شواهد واضحة على أن الحروب وارتفاع أسعار النفط لا يكفيان وحدهما لتفسير النتائج الانتخابية. فلو كانت الحرب وأسعار الطاقة العاملين الحاسمين بصورة آلية، لما تمكن الجمهوريون من تعزيز أغلبيتهم في انتخابات التجديد النصفي عام 2002، في عهد جورج دبليو بوش، بالرغم من حرب أفغانستان التي أعقبت هجمات 11 أيلول (سبتمبر). كما أن الجمهوريين تمكنوا من الفوز بالانتخابات العامة عام 2004، بالرغم من حرب العراق وتداعياتها، ولم يتمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة حتى عام 2006.
وفي المقابل، لم يتعرض الديمقراطيون لهزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي عام 2022، بالرغم من أن الحرب الروسية الأوكرانية كانت في أوجها، وأن أسعار الطاقة والتضخم شكّلا عبئًا كبيرًا على الأميركيين. صحيح أن الجمهوريين انتزعوا مجلس النواب آنذاك، لكن بفارق محدود، فيما احتفظ الديمقراطيون بالسيطرة على مجلس الشيوخ. وهذا يؤكد أن العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إلى جانب طبيعة المرشحين وأداء الإدارة، تتداخل في تشكيل خيارات الناخبين، ولا يمكن اختزالها في ملف واحد.
لكن إذا كان لا بد من تحديد العامل الذي ينبغي أن يتصدر قائمة أسباب الهزيمة الجمهورية، فهو الاقتصاد، وتحديدًا شعور الأميركيين بأن قدرتهم الشرائية تتراجع، وأن الوعود بتحسين أوضاعهم المعيشية لم تتحقق.
فالتعريفات الجمركية التي فرضها ترامب على الواردات، تحت عنوان حماية الصناعة الأميركية وإعادة الوظائف إلى الداخل، ساهمت في رفع كلفة عدد من السلع والمواد الأساسية التي يستخدمها الأميركيون بصورة يومية. فالشركات المستوردة لم تتحمل وحدها هذه الرسوم، بل انتقل جزء مهم من كلفتها إلى المستهلكين، سواء بصورة مباشرة أو من خلال ارتفاع أسعار المنتجات وسلاسل التوريد.
وزادت الحروب التجارية من الضغوط على الشركات والمستهلكين، في وقت كان فيه الناخب ينتظر نتائج ملموسة لسياسة اقتصادية وعدته بخفض الأسعار وتحسين مستوى المعيشة.
وجاء قرار المحكمة العليا في شباط (فبراير) 2026 بإبطال جانب واسع من الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة، ليضيف بعدًا آخر إلى المشهد. فالشركات التي دفعت تلك الرسوم أصبحت مؤهلة لاسترداد مبالغ كبيرة بموجب الأحكام القضائية اللاحقة، بينما لم يكن هناك مسار مماثل يضمن إعادة ما دفعه المستهلكون بصورة مباشرة نتيجة ارتفاع الأسعار. وبذلك نشأ شعور لدى قطاعات من الأميركيين بأن الشركات قد تستعيد أموالها، فيما تبقى الفاتورة التي تحملها المواطن من جيبه دون تعويض واضح.
ولم تكن المشكلة في الرسوم وحدها، بل في التناقض بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي. فالناخب الذي صوّت لترامب عام 2024 على أساس أنه سيجعل الحياة أقل كلفة، وجد نفسه بعد عامين أمام أسعار مرتفعة، وحالة من عدم اليقين التجاري، وتداعيات إضافية للحرب على أسعار الطاقة.
شكّل ملف الهجرة بدوره أحد أبرز مصادر التراجع الجمهوري. فترامب جعل مكافحة الهجرة غير الشرعية محورًا أساسيًا في حملته الانتخابية، وحصل بسبب ذلك على دعم واسع من شرائح انتخابية مختلفة، بينها قطاعات من الناخبين اللاتينيين الذين رأوا في وعوده فرصة لضبط الحدود وتحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
لكن طريقة تنفيذ سياسة الترحيل والمداهمات، واتساع نطاق إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، وما رافقها من حوادث قتل ووفاة وإشكالات تتعلق باستخدام القوة والاحتجاز، أثارت ردود فعل متزايدة. ولم يعد النقاش مقتصرًا على ضرورة تطبيق القانون، بل امتد إلى حدود السلطة التنفيذية، وطريقة التعامل مع الأفراد والعائلات، ومدى التناسب بين الأهداف والوسائل المستخدمة.
والأهم أن هذه المقاربة لم تؤثر فقط في الناخبين الديمقراطيين أو المستقلين، بل وصلت إلى شرائح من اللاتينيين الذين منحوا ترامب أصواتهم في انتخابات 2024. فقد بدأ قسم من هؤلاء يشعر بأن السياسات التي أيدوها لضبط الحدود باتت تتجاوز المستهدفين بها، وأن المناخ السياسي والإجراءات المتبعة قد تجعل مجتمعاتهم بأكملها موضع استهداف أو اشتباه.
وكان انتقال جزء من هذه الأصوات نحو الديمقراطيين عاملًا مهمًا في توسيع الفجوة الانتخابية، خصوصًا في الولايات والدوائر التي يحتاج فيها الجمهوريون إلى الحفاظ على تحالف انتخابي متنوع، خصوصًا في تكساس على سبيل المثال.
أما ملف جيفري إبستين، فقد مثّل بدوره مصدر إحراج سياسي لترامب، ولا سيما أن الكشف عن الوثائق والتحقيقات المرتبطة به كان من الوعود التي أثارت حماسة شريحة من أنصاره، الذين اعتقدوا أن نشرها سيكشف شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ، وقد يضع خصومهم الديمقراطيين في موقف بالغ الصعوبة.
لكن تحفظ الإدارة على نشر بعض المواد، وما رافق ذلك من تضارب في التفسيرات والتوقعات، أثار تساؤلات لدى أنصار كانوا ينتظرون كشفًا شاملًا وشفافية كاملة. ولم تكن المشكلة محصورة في مضمون الوثائق، بل في الفجوة بين الوعود التي قدمت خلال الحملة الانتخابية وما شعر هؤلاء بأن الإدارة مستعدة فعليًا لتنفيذه.
وزادت حدة الأزمة مع خروج شخصيات محسوبة على حركة ماغا، من بينها النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين والنائب توماس ماسي، لانتقاد ترامب ومطالبته بمواقف أكثر وضوحًا بشأن الملف. وبغض النظر عن المواقف السياسية لكل منهما، فإن اعتراض شخصيات من داخل المعسكر الجمهوري نفسه أظهر أن حالة الشك لم تعد مقتصرة على خصوم الرئيس، بل امتدت إلى جزء من قاعدته الأكثر حماسة.
وهنا تكمن خطورة المسألة انتخابيًا: فترامب لم يخسر فقط جزءًا من الناخبين الذين يعارضونه أصلًا، بل واجه أيضًا تراجعًا في مستوى الثقة لدى بعض الذين اعتبروه ممثلًا لمعركة ضد المؤسسة السياسية التقليدية.
إلى جانب أداء الإدارة، لم تكن اختيارات الحزب الجمهوري للمرشحين على مستوى تطلعات قطاعات من قاعدته الانتخابية، ولا سيما في بعض السباقات الحساسة.
ويقدم سباق مجلس الشيوخ في تكساس مثالًا واضحًا. فقد دخل كين باكستون المنافسة مثقلًا بسجل من الجدل القانوني والسياسي، شمل اتهامات تتعلق بالاحتيال في الأوراق المالية، ومحاكمة عزل في المجلس التشريعي للولاية، وتحقيقات مرتبطة بالفساد. وقد وفرت هذه الملفات للديمقراطيين مادة انتخابية واسعة، في وقت كان الحزب بحاجة إلى مرشح قادر على استقطاب المستقلين والناخبين المترددين، وليس الاكتفاء بحماسة القاعدة الجمهورية.
وانتهى السباق بفوز الديمقراطي جيمس تالاريكو، في نتيجة شكلت ضربة رمزية وسياسية كبيرة للجمهوريين في ولاية اعتادوا اعتبارها معقلًا انتخابيًا لهم. ولم تكن المسألة مرتبطة بشخصية باكستون وحدها، بل كشفت أيضًا أن دعم ترامب للمرشح لا يكفي بالضرورة لتجاوز نقاط الضعف الشخصية والسياسية، خصوصًا عندما يكون المنافس قادرًا على تقديم خطاب يركز على الاقتصاد وتكلفة المعيشة والفساد.
وكذلك في ولاية ساوث كارولينا التي تعد إحدى أهم معاقل الجمهوريين، فقد مثّل اختيار دارلين غرهام لخلافة شقيقها السيناتور الراحل، ليندساي غراهام، وخوض الانتخابات عن الجمهوريين، ضربة للحزب، خصوصًا أن ظهورها الإعلامي وإعلانها بأنها غير مهتمة بمسائل كالأمن القومي أضعف حظوظها، وصولًا إلى سقوطها في مواجهة المرشحة الديمقراطية.
ولعل من أبرز مظاهر سوء تقدير المزاج الانتخابي أن ترامب، في الأيام الأخيرة من الحملة، لم ينجح في إعادة توجيه خطابه نحو القضايا التي كانت تشغل الأميركيين فعليًا.
فبينما كان الديمقراطيون يصوبون على السلاح الذي استخدمه ترامب نفسه ضدهم في انتخابات 2024، أي الاقتصاد وتكلفة المعيشة، كان الرئيس يكرر في المهرجانات الانتخابية الشعارات ذاتها التي رددها طوال الأشهر السابقة بشأن تدمير إيران والانتصار عليها، متعهدًا بخفض أسعار المحروقات، من دون أن يقدم إجابات مقنعة عن كيفية تحقيق ذلك في ظل استمرار الحرب واضطراب أسواق الطاقة، وبدا أن ترامب يتعامل مع الانتخابات باعتبارها امتدادًا لمعركته السياسية والشخصية مع خصومه، أكثر من كونها استحقاقًا يتطلب الاستماع إلى مخاوف الناخبين وتقديم حلول عملية لها.
وزاد من غرابة المشهد انشغاله بتفاصيل جانبية في بعض التجمعات، ومنها حديثه عن المظهر الجسدي للمغنية نيكي ميناج، التي شاركته أحد مهرجاناته في ولاية ميشيغان، حين خصص جزءًا من حديثه للتغزل بجسدها أمام الجمهور. وربما لا يمثل هذا الموقف وحده سببًا انتخابيًا مباشرًا، لكنه يعكس طبيعة الخطاب الذي طغى على بعض المحطات الأخيرة من الحملة، في وقت كان الناخبون ينتظرون نقاشًا جديًا حول الأسعار والوظائف والحرب ومستقبل الاقتصاد الأميركي.
لقد كان الفارق واضحًا بين ما أراد الناخبون سماعه وما اختار الرئيس الحديث عنه. وهذه الفجوة لم تكن تفصيلًا إعلاميًا، بل جزءًا من مشكلة أوسع تتعلق بقدرة الإدارة على قراءة التحولات في الرأي العام.
في المحصلة، لا يمكن إنكار أن الحرب على إيران ساهمت في تعميق الخسارة الجمهورية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الوقود واستمرار حالة عدم اليقين بشأن نهايتها. لكن تحميلها المسؤولية كاملة، كما فعل جي دي فانس، يتجاهل سلسلة من الأخطاء السياسية والاقتصادية التي سبقتها، والتي كانت قد بدأت بالفعل في إضعاف موقع الحزب الجمهوري.


