: آخر تحديث
برلمان إقليم كوردستان ينطلق بلا شريكه الرئيسي:

تمخض الجبل فولد فأرًا: إلى أين تتجه الأزمة؟

1
2
1

تمخض الجبل فولد فأرًا، هذا هو الوصف الأقرب لواقع الشارع في إقليم كوردستان، الذي انتظر لأشهر طويلة وسط أزمات اقتصادية وسياسية خانقة، على أمل أن تسفر التفاهمات عن انطلاق دورة برلمانية جديدة وتشكيل حكومة تلبي تطلعات المواطنين الذين يعانون من الأزمة الاقتصادية الخانقة والغلاء المعيشي وانعدام الخدمات الرئيسية. لكن المشهد انتهى بجلسة برلمانية عرجاء، غاب عنها القطب الثاني والمعادلة الرئيسية في الإقليم: الاتحاد الوطني الكوردستاني.

إن انطلاق أعمال البرلمان بالاعتماد على الأغلبية العددية للحزب الديمقراطي الكوردستاني وبعض المقاعد التابعة للمكونات، بعيدًا عن الشريك التاريخي الذي يتقاسم النفوذ الإداري والأمني والعسكري مناصفة في الإقليم، يضع التجربة السياسية في كوردستان أمام منزلق خطير. ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا ومصيريًا: ماذا سيفعل البرلمان، وماذا ستفعل الحكومة المقبلة بدون الاتحاد الوطني؟

تكمن الإجابة في قراءة الواقع السياسي عبر عدة تداعيات وسيناريوهات محتملة:

أولًا، الشلل التشريعي والتنفيذي، فلن يكون بمقدور البرلمان تمرير قوانين استراتيجية أو مصيرية تخص الإقليم ككل. إن أي تشريع يصدر من أربيل في ظل هذا الشرخ قد يظل حبرًا على ورق، ولن يجد طريقه للتنفيذ في مناطق نفوذ الاتحاد الوطني (السليمانية وحلبجة وإدارتي كرميان ورابرين)، مما يعمق الفجوة الإدارية ويفقد القوانين قيمتها السيادية.

ثانيًا، تكريس خيار (الإدارتين)، يهدد غياب التوافق بالعودة الفعلية والعلنية لنظام الإدارتين المنفصلتين الذي طوى الإقليم صفحته (ظاهريًا) منذ سنوات. وفي حال المضي بهذه المقاطعة، ستدير أربيل ودهوك سلطة أمر واقع، بينما تدير السليمانية سلطة أخرى موازية، وهو ما يهدد بتقويض الكيان الدستوري للإقليم بكامله أمام الحكومة الاتحادية في بغداد والمجتمع الدولي.

ثالثًا، أزمة الشرعية السياسية والتوافقية، بالرغم من تحقيق النصاب القانوني العددي لعقد الجلسة واختيار هيئة الرئاسة، إلا أن أي حكومة ستنبثق عن هذا البرلمان ستفتقر إلى (الشرعية التوافقية). لقد بُني إقليم كوردستان تاريخيًا على مبدأ الثنائية والشراكة الاستراتيجية بين الحزبين الحاكمين، وغياب أحد هذين القطبين يجعل السلطة مشلولة عاجزة عن فرض هيبتها في نصف الإقليم الجغرافي والديمغرافي.

رابعًا، إضعاف الموقف الكوردي في بغداد، سيتسبب هذا الانقسام الداخلي الحاد في شل قدرة الإقليم على التفاوض بصوت واحد وقوي مع الحكومة المركزية في بغداد حول ملفات حساسة ومصيرية، وفي مقدمتها موازنة الإقليم، رواتب الموظفين، وتصدير النفط، حيث ستنعكس الخلافات الداخلية ضعفًا وتشتتًا يستغله الخصوم السياسيون في المركز.

ختامًا، تثبت التجارب التاريخية المعاصرة في إقليم كوردستان أن سياسة فرض الأمر الواقع وتهميش أي طرف أساسي لا تبني استقرارًا ولا تدعم مؤسسات الدولة. وإذا استمر البرلمان والحزب الديمقراطي في المضي قدمًا دون التوصل إلى تسوية شاملة تُعيد الاتحاد الوطني وحراك الجيل الجديد إلى طاولة القرار، فإن المولود البرلماني الجديد لن يغير من الواقع المرير شيئًا. إن إدارة الإقليم لا تحتمل منطق (الرابح والخاسر)، وتجاوز الشراكة التاريخية يعني تعميق أزمة ثقة المواطن بالعملية السياسية برمتها. للخروج من هذا النفق المظلم، لا بديل أمام القوى الكوردستانية سوى تقديم تنازلات متبادلة وتغليب المصلحة الوطنية العليا لضمان بقاء الإقليم كيانًا واحدًا ومستقرًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.