من نظام الشاه إلى الثيوقراطية، ومن «الحلول» المُصنّعة خارجياً إلى المقاومة المنظمة، كيف شكّل قرن من النضال البديل الديمقراطي لإيران.
تاريخ إيران السياسي الحديث، وخاصةً خلال القرن الماضي، هو تاريخ نضال متواصل من أجل الحرية. الوضع الذي تواجهه إيران اليوم، وهي على أعتاب تغيير سياسي عميق، ليس نتيجة صدفة أو اضطراب مفاجئ أو عملية اجتماعية عفوية. إنه نتاج مقاومة منظمة، بُنيت على مدى عقود، ومتجذرة في مواجهة تاريخية طويلة مع الاستبداد.
هذه المقاومة ليست مجرد رد فعل على الظروف الراهنة، بل استمرار لمسار تاريخي واجه فيه الإيرانيون مراراً أنظمة السلطة المطلقة، أولاً تحت نظام الشاه، ثم تحت الدكتاتورية الدينية.
كان يوم 20 حزيران (يونيو) 1981 تحولاً حاسماً. واجه المجتمع الإيراني خياراً مصيرياً: الخضوع للدكتاتورية الدينية المتشكلة حديثاً بقيادة روح الله الخميني، أو المقاومة بكلفة بشرية هائلة.
لم يكن نظام الخميني، الذي أسس مفهوم ولاية الفقيه، حكم المرشد المطلق، انقطاعاً عن الماضي الاستبدادي الإيراني، بل استمراراً له، مغلفاً بشرعية دينية. واعترف الخميني نفسه لاحقاً بأسفه على عدم بدء الإعدامات الجماعية مبكراً، اعتراف يكشف الطابع المناهض للإنسانية في جوهر النظام.
منذ تلك اللحظة، لم تتوقف المقاومة ولو لساعة واحدة. لم تكن مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية، بل صراعاً وجودياً حول معنى الحرية، ليس لإيران فقط، بل للشرق الأوسط بأسره.
تتكرر مقولة، غالباً من أنصار النظام أو من لهم مصالح خاصة، أنه «لا بديل» عن الجمهورية الإسلامية. هذه المقولة ليست نتيجة تحليل، بل محواً متعمداً.
إنها تتجاهل حركة مقاومة تمتلك برنامجاً سياسياً واضحاً، وسجلاً طويلاً من التضحية، وعقوداً من النضال المستمر. لم ينشأ هذا البديل الديمقراطي من مراكز تفكير أجنبية أو قوى خارجية، تلك التي أعادت مراراً استبدال دكتاتورية بدكتاتورية أخرى في إيران، بل من داخل المعارك السياسية والاجتماعية الإيرانية نفسها.
مبدؤه الأساسي واضح وثابت: «لا شاه ولا ملالي». لا نظام الشاه ولا ثيوقراطية.
تاريخ إيران الحديث مليء بـ«الحلول» المُهندسة خارجياً التي أنتجت كوارث:
لو لم يُهندس الجنرال البريطاني إدموند آيرونسايد صعود رضا شاه عبر لواء القزاق قبل قرن.
لو لم تفرض القوى المتحالفة في عام 1941 استمرار السلالة الشاه بدلاً من احترام سيادة إيران الوطنية.
لو لم يحدث انقلاب 1953 ضد رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً محمد مصدق.
لكان المجال السياسي الذي سمح في النهاية بظهور الحكم الديني قد لا يوجد أصلاً.
كل بديل مفروض قمع التطور الديمقراطي وأعاد إنتاج الاستبداد تحت تسمية جديدة.
يجب الاعتراف بحقيقة تاريخية مريرة: ورث الخميني فراغاً سياسياً صنعه الشاه.
بإعدام مؤسسي الحركات الثورية الديمقراطية، وسجن مناضلي الحرية، وتدمير الكوادر السياسية المستقلة عبر جهاز الأمن السري، سافاك، قضى نظام الشاه على القوى القادرة على قيادة انتقال ديمقراطي.
هذا التدمير للقيادة الديمقراطية الأصيلة سمح للشبكات الدينية الرجعية، المتغلغلة في البنى التقليدية، بانتزاع ثورة 1979 المعادية للشاه. في هذا المعنى، لم يكن الحكم الديني انحرافاً، بل امتداداً منطقياً لنظام استبعاد سياسي طويل الأمد.
الثورات والتغيير الحقيقي لا ينتجان من مفاوضات سرية بين دول قوية، إنما ينشآن من ضرورة تاريخية، تشكلها إرادة شعب مظلوم.
من الثورة الدستورية في أوائل القرن العشرين إلى الانتفاضات اليوم، لم تتغير مطالب الشعب الإيراني، بل تغير فقط الثمن المدفوع لأجلها.
البديل الديمقراطي اليوم ليس نظرياً. إنه نتاج أكثر من ستين عاماً من الصمود والتضحية والمقاومة المستمرة. لم يُحافظ عليه دعم خارجي أو مصلحة جيوسياسية، بل ما يصفه أنصاره بـ«أقصى التضحية».
لهذا السبب تهم هذه اللحظة. تقف إيران أمام تحول دفعت ثمنه الأجيال، أجيال رفضت تعليق النضال من أجل الحرية، حتى في أحلك فصول القمع.
نادراً ما يكافئ التاريخ من ينتظرون التوافق مع الطغيان. إنه يتذكر من رفضوا تعليق القتال من أجل الحرية، ولو لساعة واحدة.
مستقبل إيران، كما سيسجله التاريخ، لن يكون للانتهازيين أو البدائل المفروضة، بل لمن فهموا أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، تُدافع عنها، وتُحافظ عليها بمقاومة لا تتزعزع.


