: آخر تحديث

الناس في امتحان الأفكار!

2
2
3

الأفكار لا تعيش في الكتب وحدها، ولا تبقى معلّقة في فضاء مجرّد. إنها تتجسد دائمًا في الناس، تسري في عقولهم وضمائرهم، في أحاديثهم وخصوماتهم، في مصالحهم وأوهامهم. وحين نضع الناس أمام الأفكار، صحيحة كانت أم سقيمة، يظهر لنا أنهم لا يقفون جميعًا على أرض واحدة، بل يتوزعون على أنماط متباينة يكشفها التأمل.

فالناس، في جوهر الأمر، اثنان: عاقل وساذج. لكن هذين النمطين يتشعبان بدورهما: فالعقل قد يكون قويمًا أو لئيمًا، والسذاجة قد تكون طبعًا دفينًا أو ثمرة تربية وتدجين. ومن هنا تتشكل خريطة المواقف من الفكرة، بين صدق يزكّيها ولؤم يلوّثها وبساطة تستسلم لها.

العاقل القويم هو من يجعل الحقيقة ميزانه الذي لا يخونه، حتى لو خسر بسببه ما يحب ويؤثر. هو سقراط الذي لم يتراجع عن فلسفته حين حُوكم، بل آثر أن يشرب السمّ على أن ينقض ما آمن به. العاقل القويم لا يرى في الفكرة ملكًا شخصيًا أو وسيلة إلى منفعة، بل أمانة أمام الله والناس والضمير. قد ينهزم جسديًا أو يخسر دنيويًا، لكنه يظل منتصرًا لقيمته الداخلية.

أما العاقل اللئيم فهو الوجه المظلم للعقل، إذ يُسخّر ذكاءه لا لطلب الحق بل لطلب الهيمنة والنفع. هو الذي يحوّل الفكرة إلى أداة للسيطرة، ويدافع عنها حقًا وباطلاً على السواء، ما دامت تخدم أغراضه. وتبلغ خطورته ذروتها حين يقترن بالعقيدة، فتغدو كهنوتًا أو دينًا سياسيًا؛ حيث يُلبَس الباطل ثوب المقدس وتُستَعمل النصوص والشعائر وسيلة لتثبيت سلطان دنيوي. هنا لا يخاطب العقل اللئيم المصلحة وحدها، بل يخاطب الوجدان والإيمان، فيُخضع الضمائر باسم الطاعة، ويُخرس النقد باسم العقيدة.

والتاريخ يزخر بصور هذا النمط: ففي أوروبا العصور الوسطى تحوّل بعض رجال الكنيسة إلى سلطة كهنوتية متغوّلة، جعلت من محاكم التفتيش أداة لقمع الفكر، وأحرقت العلماء بتهم الزندقة لمجرد أنهم سعوا وراء الحقيقة. وفي المشرق أيضًا عرف التاريخ لحظات التقت فيها الفتوى بالعرش، فتحولت الكلمة الدينية إلى سيف سياسي، وصارت النصوص مؤوّلة على مقاس الحاكم. وحين أُحرقت كتب الفلاسفة في بغداد وقرطبة، لم تُحرق أوراق وحروف فقط، بل حُوصرت فسحة العقل الحرّ في الضمائر.

وفي الجهة الأخرى يقف الساذج بالطبع، وهو الذي يتلقّى الأفكار كما تأتيه، دون قدرة على الفحص أو التمييز. ليس في قلبه شر، لكنه ضعيف العقل، قليل الحيلة في النقد والتمحيص. وهو بذلك أقرب إلى من وصفهم غوستاف لوبون في "سيكولوجية الجماهير"، حيث تتحول الفكرة عند العامة إلى عقيدة جاهزة لا تحتاج إلى دليل. هذا الساذج يقبل ما يُلقى إليه، فيتبنّى الصحيح والخطأ معًا بلا وعي.

أما الساذج بالتربية والتدجين فهو الذي لم يولد ضعيفًا، بل تربّى في وسطٍ يسود فيه العاقل اللئيم. نشأ مقلدًا لا ناقدًا، مكرّرًا لا مُمحّصًا، حتى غدت سذاجته طبيعة مكتسبة، بل سمة جماعية. وهو ما أشار إليه ابن خلدون حين تحدث عن ميل المغلوب إلى تقليد الغالب، إذ يرى فيه قدوة فيأخذ بأفكاره وسلوكه ولو كان على غير هدى. هنا بالضبط يتجلّى أخطر أثر للعقل اللئيم: صناعة جموعٍ من السذج المدجّنين الذين يسيرون وراءه من غير تساؤل.

ولذلك لم يكن التنوير الأوروبي مجرّد حركة فلسفية نخبوية، بل مشروعًا يستهدف أساسًا هذه الفئة من الناس. فحين كتب كانط نصّه الشهير "ما التنوير؟"، عرّفه بأنه "خروج الإنسان من قصوره الذي جلبه على نفسه"، أي من حالة السذاجة بالتدجين التي تُبقي العقول أسيرة وصاية الكهنوت والسلطان. التنوير لم يكن إذن دعوة إلى إنتاج أفكار جديدة بقدر ما كان نداءً إلى تحرير العقول من الاعتياد على الاتباع الأعمى. لقد استهدف "الساذج المدجَّن" قبل أي أحد، لأنه الحلقة التي تُمكّن العقل اللئيم من إحكام سلطانه.

ومن هنا يمكن القول إن كل مشروع إصلاح حقيقي في التاريخ، سواء في الدين أو الفلسفة أو السياسة، إنما يوجَّه أولًا إلى هذه الفئة التي جُعلت ساذجة بفعل التربية والسلطة. فهي القاعدة التي إن تحررت تغيّر وجه المجتمع، وإن بقيت على حالها كرّست سلطان اللؤم والكهنوت.

وبين هذه الأصناف الأربعة يتحدد مصير الأفكار. فالفكرة الصادقة قد تعلو حين يحملها قويمون، لكنها قد تُشوّه حين تقع في يد اللئام، وقد تُستساغ بلا فحص عند السذّج بالطبع، وقد تُفرض بالقوة والتلقين على السذّج بالتدجين حتى تصير عقيدة جماعية لا تُراجع. ولهذا فإن السؤال الأعمق ليس: ما الفكرة الصحيحة وما الفكرة السقيمة؟ بل: من الذي يحمل الفكرة، وكيف يحملها؟

فالتاريخ مليء بأفكار عظيمة أفسدها لؤم العقول، كما هو مليء بأفكار متواضعة ارتفعت لأنها صارت أمانة في أيدي قويمين. وربما كان الفرق بين أمة تنهض وأخرى تتقهقر هو: أيّ الأصناف الأربعة يسود بين أبنائها. إنها إذن ليست معركة أفكار فحسب، بل معركة عقول وضمائر، بين قوامة تصون الحقيقة، ولؤم يوظفها للهيمنة، وسذاجة تستسلم لها، وسذاجة تُصنع بالتدجين لتعيد إنتاجها.

الأفكار -مهما كان معدنها- لا تنجو إلا بمَن يحملها. فإن حملها قويم، صارت سلمًا للرقي؛ وإن تبنّاها لئيم، غدت سلاحًا للانحطاط؛ وإن وقعت في يد السذّج، تحولت إلى تقليد أعمى. وهكذا يبقى الإنسان هو امتحان الفكرة، والفكرة امتحان الإنسان.

غير أن ما يكشفه هذا الامتحان أعمق من مجرد صواب فكرة أو خطئها، أو نُبل حاملها أو لؤمه؛ إنه يكشف أن الإنسان حين يواجه الأفكار إنما يواجه نفسه أولًا. فالفكرة ليست كائنًا مستقلًا يفرض ذاته، بل مرآة تُظهر معدن من يتبناها: عقلًا يقظًا أو عقلًا مأجورًا، فطرة صافية أو سذاجة مدجَّنة. وهكذا يتبيّن أن معركة الأفكار في حقيقتها ليست إلا معركة الوعي بالذات، وأن السؤال عن مصير الفكرة هو في جوهره سؤال عن مصير الإنسان نفسه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.