بعد أيام من اعتقال شاسوار عبدالواحد رئيس أكبر حزب معارض في الإقليم بتهمة التشهير في قضية رفعت ضده قبل ست سنوات بالتمام والكمال، نشر جهاز أمن تابع للاتحاد الوطني الكوردستاني اعترافات مجموعة أُلقي القبض عليها بتهمة التخطيط لاغتيال بافل جلال طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني باستخدام طائرات مسيرة أوكرانية الصنع، وأوضح الجهاز المذكور أنَّ المجموعة كانت تخضع للمراقبة وتم إلقاء القبض على أفرادها قبل تنفيذ مخططهم!
الجدير بالإشارة أنَّ الجهاز المذكور نشر مشاهد لقناصة يحملون كواتم صوت بالقرب من نافذة مطلة على مكتب الطالباني في منطقة (دباشان حيث يقع منزل عائلة الطالباني).
بحسب هذه الاعترافات التي نشرت (صوتاً وصورة) في إعلام الحزب المذكور، تلقى أفراد المجموعة من قوات لواء (العقرب) الكوردية التابعة لـ(جبهة الشعب) تدريبًا على استخدام الطائرات المسيرة في أوكرانيا، وترتبط المجموعة وفقًا لاعترافاتهم بالقيادي البارز لاهور شيخ جنكي وهو ابن عم رئيس الاتحاد الوطني بافل الطالباني، والذي اعتقل مع شقيقه وعدد من أعضاء حزبه وقواته بعد اشتباكات عنيفة، فجر يوم الجمعة 22 آب (أغسطس) عند فندق (لاله زار) في منطقة سرجنار السياحية وسط السليمانية.
وبعد نشر هذه الاعترافات، نفت السفارة الأوكرانية في بغداد ما نشره إعلام الاتحاد الوطني نفيًا قاطعًا حول تورط أوكرانيا في أنشطة تدريب مسلحين أجانب أو تصنيع طائرات مسيرة للاستخدام غير القانوني في العراق.
وأكدت السفارة في بيانها أنَّ "أوكرانيا لم تقم مطلقًا، ولا تقوم بأي أنشطة تتعلق بتدريب مسلحين أو تصنيع طائرات مسيرة للاستخدام غير القانوني خارج أراضيها، مشددة أن هذه الادعاءات تُعد معلومات مضللة بشكل صارخ ولا تستند إلى أي أساس من الحقائق".
علاقة ودية وتجارية بحتة
كصحفي، ومتابع للشأن العراقي والكوردستاني، تفاجأت باتهام أوكرانيا في مسرحية اغتيال بافل طالباني، فعلاقة أوكرانيا مع الإقليم وخاصة السليمانية علاقة ودية وتجارية بحتة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، في عام 2017 تم استيراد أكثر من 86 ألف رأس ماشية عن طريق مطار السليمانية، وكان معظم رؤوس الماشية المستوردة مصدرها أوكرانيا، طبعًا إضافة إلى استيراد القمح الأوكراني والفحم ومواد غذائية كثيرة أخرى.
ويرى مراقبون أنَّ استخدام نظرية المؤامرة لتصفية الخصوم والمنافسين أمر شائع في العراق، وأن هذه النظرية هي تركة مثقلة موروثة من النظام البعثي الفاشي، وأن مسرحية (قاعة الخلد أو ما يعرف بمجزرة الرفاق) هي واحدة من تلك المسرحيات الصدامية البائسة، المسرحية التي تخلص فيها المجرم المعدوم صدام حسين من معارضيه عام 1979 بحجة وجود مؤامرة مدعومة من البعث السوري ضد العراق، ويرون أن ما شهدته مدينة السليمانية مؤخرًا لا يمثل سوى نموذج متكرر لتصفية الخصوم في ظل انتشار وفوضى السلاح وتعدد الجهات الحاملة له خارج نطاق السلطات الرسمية، ويرون أيضًا أن القوة التي نفذت عملية مداهمة منطقة (لاله زار) واعتقال رئيس حزب جبهة الشعب وشقيقه وعدد كبير من قوات لواء (العقرب) هو امتداد لمسرحية طرد لاهور شيخ جنكي من الاتحاد الوطني من قبل بافل الطالباني، بعد أن كان شيخ جنكي شخصية قيادية بارزة داخل الاتحاد، وحصل على أعلى الأصوات في المؤتمر الرابع، وعليه تولى رئاسته المشتركة إلى جانب بافل الطالباني، لكنه تعرض لاحقًا للطرد مرتين، الأولى عام 2021 بعد اتهامات بحجة محاولة اغتيال بافل الطالباني عن طريق السم، والثانية بشكل نهائي في المؤتمر الخامس عام 2023.
سيناريو ضعيف
رفض حزب جبهة الشعب تلك الاتهامات والاعترافات معتبرًا أنها سيناريو مضلل ومفبرك، كما شكك في نزاهة القضاء والمحاكم التي تستخدم لمصالح شخصية وحزبية، وعليه يحاول الحزب المذكور أن ينقل قضية رئيس الحزب إلى محاكم بغداد.
وأن حديث رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل الطالباني في ملتقى ميري عندما قال نصًا: (لا يوجد قضاء مستقل في إقليم كوردستان، الحزب يأمر والقاضي المسكين يُطبق) خير دليل على واقع القضاء المسيس في الإقليم.. (نص حديث بافل طالباني مسجل وموجود على الإنترنت).
أخيرًا... أعادت هذه الأحداث الدامية التي وقعت في مدينة السليمانية الصراعات التاريخية داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني، ففي ثمانينات من القرن الماضي شكل القيادي في الاتحاد الوطني حكمت محمد كريم المعروف بـ(ملا بختيار) تيارًا باسم (راية الثورة ـ أي شورش) سرًا، وبعد فترة انكشف أمره واعتقل بأمر من جلال الطالباني، وبعد اعتراف ملا بختيار أصدر الطالباني قرارًا بالعفو عنه، وفي عام 2009 انشق القيادي نوشيروان مصطفى عن الاتحاد الوطني وأسس (حركة التغيير ـ بزوتنه وه ى گۆران) مستقطبًا تقريبًا نصف قاعدته ليصبح الحزب الثاني بعد الديمقراطي الكوردستاني في الإقليم، إضافة إلى الاقتتال الداخلي والصراع الدموي بين الأخوة الأعداء (الاتحاد والديمقراطي) في أواسط التسعينات من أجل تسلط نزعة الزعامة والسيطرة على مقدرات الإقليم، الإقليم الذي انقسم إلى إدارتين مستقلتين.
للأسف إن نزعة الزعامة وإلغاء الآخر والانقسامات السياسية والإدارية سمة متكررة في الإقليم، والتي تعكس بشكل واضح وصريح تناقضات بين الخطاب السياسي الذي يروج للإصلاح والديمقراطية ووحدة الإقليم، وبين تطبيق منطق القوة وسياسة إسكات وتصفية الآخر على أرض الواقع.
ويبقى السؤال الأهم: من هو المستفيد الأكبر من صراع النفوذ بين الأخوة الأعداء المغلفة بغلاف قانوني وقضائي، صراع هدفه اجتثاث الخصوم والمنافسين بقوة السلاح؟