: آخر تحديث

الأيديولوجية العاطفية

3
3
3

نعيش اليوم في حضارة تبيعنا الفلسفة الزائفة معبّأة كما تُعبّأ الحلويات الصناعية: تغليف براق، طعم سكّري، لكن معدة متقرّحة بعد الهضم. بين دورات "كيف تصبح النسخة الأفضل من نفسك" وورش "النجاح يبدأ بالابتسامة"، وبين المدربين الذين يبيعون الوهم بثمن دورة لليوغا على الزوم، نكتشف أننا لم نُعلَّم كيف نعيش، بل كيف نتكيّف. التكيف، هذه الكلمة السحرية، التي حوّلوها إلى دين جديد: اصمت، ابتسم، تكيف… لكن لا تجرؤ أن تسأل: من خلق هذه الظروف أصلاً؟

الإحصاءات لا ترحم، وإن كانت تُقدّم ببرود ميكانيكي كأرقام في جدول إكسل. منذ 2012، تضاعف الاكتئاب بين المراهقين تقريباً، وارتفعت نسب الانتحار بين الفتيات الصغيرات بما يشبه وباء صامت، كأن الهواتف الذكية أصبحت أدوات لتعليم الموت لا للحياة. وحدها مؤسسة ANAR في إسبانيا مثلاً، تلقّت أكثر من 250 ألف طلب استغاثة في عام واحد، 4,542 منها صرخات مباشرة ضد الانتحار أو لإيذاء النفس. والأرقام تصعد مثل مؤشر بورصة في يد مضارب شره. لكننا ما زلنا نردّد: "الأزمات فرصة للنمو".

المأساة أن المعاناة لم تعد فضيحة، بل عادة يومية. لم نعد نقول "أنا مكتئب"، بل "أحتاج فقط دورة في الذكاء العاطفي". لقد نجحوا في تحويل الألم إلى مادة دراسية، والاغتراب إلى مقرر جامعي. نحن نُطبع ونُعَلَّب ونُصَدر كمنتجات بشرية قادرة على ابتلاع ألمها بابتسامة مصطنعة. لقد جعلونا نؤمن أن الشعور باليأس مجرد خلل في "إدارة العواطف".

لكن الحقيقة أكثر بشاعة: الصحة النفسية منهارة، المدارس عاجزة، المستشفيات تغرق، والأطباء يطاردهم شبح الساعة قبل أن يطاردهم المرضى. أمام هذا الخراب، يأتينا خطاب السلطة وكتب التنمية الذاتية بكلمات مدهونة بالسكر: "مرونة، تعاطف، ذكاء عاطفي". يا لها من وصفة! كأنك تصب علبة عطر على جثة متعفنة.

إنَّ أخطر ما في هذه الكارثة أن الانتحار لم يعد حكراً على من شُخِّصوا بمرض نفسي. يحدث أيضاً عند من يُفترض أنهم "أصحاء". مأساة عصرنا أن الإنسان قد يكون ناجحاً، محاطاً بالخيارات، لكنه يشعر أن الموت أكثر منطقية من صباح جديد. ومع ذلك، لا يُطلب منه سوى "أن يتكيف".

الوقت لم يعد يسمح بهذا الكسل العقلي. لا يكفي أن ننتظر المأساة حتى نحرّك ساكناً. هذه اللغة العاطفية المؤدلجة ليست سوى مُهدّئ عام يجعلنا نحتمل الخراب دون أن نسأل: من المستفيد من كل هذا الألم؟

ما نحتاجه ليس "جلسة تأمل" جديدة، بل جرعة من العدوانية الاجتماعية والفردية. نحتاج أن نقول "لا" حيث يُطلب منا الخضوع. أن نطالب بخطط وقائية، بسياسات عامة، بمؤسسات تعترف بأن المعاناة ليست عيباً شخصياً بل عرضاً مجتمعياً.

لقد حوّلونا إلى خبراء في الصمود أمام بؤس متجدّد، كما لو كان التكيّف بطولة. بينما البطولة الحقيقية هي التمرّد: أن نرفض هذه الأكاذيب المغلفة بالابتسامة، أن نكسر شعار "كن مرناً"، وأن نسأل أخيراً السؤال الممنوع: ماذا يجب أن نقاوم، وبأي ثمن؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.