: آخر تحديث

الصمت

17
18
9

ثمة لحظات تمرّ على الإنسان لا تكفيها كلماتٌ ولا حديث، لا يسعها إلا صمتٌ طويل، طويلٌ طويلٌ جدًا وسيلٌ من الأفكار والمشاعر التي تزدحم عند محاجر العيون!
 
في بعض اللحظات، تكون الأحاسيس أكبر من طاقة الكلام على استيعابها وحصرها، فتتفوّق لغة الحواس على لغة الوصف، ويعجز اللسان وتفيض المحبرة صمتًا وابتهالًا في حضرة الذكرى وحضرة الوجع!
لا شيء أصعب على الروح والقلب والوجدان من لحظات الانكسار،،،
 


تلك اللحظات التي تعصف بالقلب وتنزف الذكريات وتدمي الفؤاد، تلك اللحظات المريرة التي لا يمكن للمرء أن يتجاوزها إن لم يحصّن نفسه بقلبٍ راضٍ ومطمئنّ ورفقةٍ صالحة!
أمّا القلب المطمئنّ، فهو الذي يواسي صاحبه كلما غدرته فكرة كئيبة أو حلّ به موقف صعب، أو أصابه مصابٌ جَلل، ويا حظّ من روّض قلبه على أن الله هو الرفيق الأوّل المواسي والمطمئن بأنه معنا، ولن يتركنا، وسيعوّضنا عوضًا يليق بحبّنا له!
وترويض القلب على السكينة يحتاج الى الدربة والوقت والدعاء والتفكّر والحكمة! ولا يُلقّاها الا ذو حظّ عظيم!
وأمّا الرفقة الطيبة الصالحة، فهي تعينه في الضراء قبل السراء، في الوجع قبل الفرح، في اليُبْسِ قبل الارتواء!
حينما يتحصّن الإنسان بقلبه، ويحيط نفسه بأشخاصٍ نبلاء فهو يحصّن عقله وروحه وبدنه من تقلبات الحياة وغدرها، 
أولئك النبلاء هم النزر القليل من الناس الذين بإمكانهم أن يكونوا جسرًا لغيرهم، لينقلوهم من ضفة اليأس والإحباط إلى ضفة الأمل والسعة!
هؤلاء الأشخاص يمتازون عن غيرهم من خلال ما يحملونه من مشاعل الأمل التي يشعلون فتيلها في نفوس من أطفأتهم الحياة، وحرمتهم البهجةَ والأمل والشغف!


إنّ الأشخاص الذين يسعون بين القلوب المتعبة ليبلسموا جروحها ويعالجوا أوجاعها ويخفّفوا أحمالها،هم الثلّة النادرة الطيّبة من الناس،الذين عاهدوا الله على أن يكون وجودهم على هذه الأرض رحمة لعباده،وجسر محبّة وخير وسلام،فابحثوا عنهم وحافظوا عليهم وتمسكوا بهم فهم نعم الرفقة ونعم العتاد.
إن لم تجدوهم، فكونوا أنتم منهم، واحرصوا على أن تتركوا أثرًا طيّبًا للقلوب الممزّقة المجروحة، كونوا أنتم الرحماء، كي يبحث عنكم الناس أينما حللتم، ولكي يفتقدوكم حيثما كنتم، وهذا لعمري من أرقى أهداف الإنسانية في الوجود!

2 - نسعى في هذه الحياة بحثًا عن الكمال، وبالطبع يعترينا النقص على الدوام في كل جوانب حياتنا التي تدور بشكلٍ مستمرٍّ محمّلةً بتلك المشاعر الناقصة! 
لا ينطفئ عطشنا لإكمال ما نحلم به ونصبو إليه، ولا يخبو وهجُ السعي نحو هذا الكمال المرجوّ!
هل رأيت شعور الكمال الذي يعترينا للحظات حين نلتقي من نحب؟! وكأنّ القلب وقع على كنزٍ ثمين! وكأنّ أوركسترا المشاعر تعزف سمفونية أزليّة الإيقاع بحرفية عالية تشبه وجه الكمال في أبهى حُلَلِه! تلك هي اللحظات الصافية من أي شوائب النقصان الوجداني!

ثمة أشخاصٌ في هذه الحياة يكمّلوننا فيها، يمثلون جانبنا الآخر الذي انفصل عنا..
تلك المشاعر تظلّ تعترينا على الدوام.. نبقى نفتّش ونبحث عن شغف هنا وضوء هناك والتماع لفكرة، أو جنون لإحساس، نحتكّ بالناس كلّ يوم، فمنهم من يطفئنا أكثر ومنهم من يُحيينا أكثر، نجدُ انعكاسنا وراحتنا مع شخصٍ معيّن، يسمّيه البعض "توأم الروح"، وأسميه "المكمّل" أو "المتمّم".
 


أوَلا نسمع غالبًا عن المتمّمات الغذائية في الأدوية أو المأكولات؟
تمامًا.. هي هكذا الحال مع الأرواح، تحتاج الى مكمّل ومتمّم يغذيها ويحييها ويعيد وهجها، وهذا المكمّل يجعلنا شغوفين ومشرقين ومتوهّجين ما دمنا معه، يوقظ فينا أجمل الأحاسيس والمشاعر والأفكار..

لا يسكن القلب إلا الى توأمه، ولا تأنس الروح إلا الى من يشبهها ويفهم لغة دفئها وسكوتها وحركتها..
في كتاب العبرات يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي عن ذلك:
إن الله قد خلق لكل روحٍ من الأرواح روحًا أخرى تماثلها وتقابلها، وتسعد بلقائها، وتشقى بفراقها، ولكنه قدر، أن تضلّ كل روحٍ عن أختها في الحياة الأولى، فذلك شقاء الدنيا.. وإن تهتدي إليها في الحياة الثانية، فتلك سعادة الآخرة.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.