هل ليبيا في حرب ثقافية؟ إذا كان الجواب بنعم، فليبيا إذن لا تختلف عن كثير غيرها من الشعوب والأمم التي تشهد حروباً ثقافية، باستثناء أن الأطراف الليبية المتصارعة بدلاً من اللجوء إلى النقاش والحوار، لجأت منذ البداية إلى حمل السلاح، وفتحت الأبواب على مصاريعها أمام وحش اسمه الحرب الأهلية والانقسام الجهوي.
«الحروب الثقافية» ليست مجرد خلافات عابرة، بل هي صراع على «الشرعية الأخلاقية» ومن يملك الحق في تعريف هوية المجتمع وقيمه. التاريخ الإسلامي غني بصراعات لم تكن عسكرية بقدر ما كانت «حروباً ثقافية» حول هوية المجتمع، مصدر السلطة، والعلاقة بين العقل والنقل. هذه الصراعات شكلت المذاهب والمدارس الفكرية التي نعرفها اليوم.
في كتابه الصادر عام 1991 والمعنون «الحروب الثقافية: الصراع لتعريف أميركا»، يقول عالم الاجتماع الأميركي جيمس ديفيدسون هنتر إن الحروب الثقافية تبدأ في العادة بما أطلق عليه اسم «العنف الرمزي». وبه يعني هنتر محاولة كل طرف في المجتمع نزع الشرعية عن الطرف الآخر، وتصويره بأنه عدو للوطن أو الأخلاق.
هنتر يحذر من أن هذا الاستقطاب الحاد يجعل الديمقراطية صعبة الممارسة؛ لأن الديمقراطية تتطلب حداً أدنى من التوافق القيمي، وهو ما تفتقر إليه الحروب الثقافية. المقصود بالتوافق القيمي - يقول المؤلف - هو حالة من الاتفاق العام بين أغلبية أفراد المجتمع على مجموعة من المبادئ والأهداف والقواعد الأساسية التي تحدد ما هو «صح» وما هو «خطأ»، وما هو «مهم» وما هو «ثانوي».
بمعنى آخر: هو «الميثاق غير المكتوب» الذي يجعل الأفراد يتعايشون من دون الحاجة للصراع الدائم حول بديهيات الحياة اليومية. يحدث الانهيار عندما تظهر فجوة جيلية حادة، أو نتيجة هجرات كبرى غير مندمجة، أو نشوب حروب ثقافية حين تبدأ كل مجموعة في المجتمع بتبني منظومة قيمية خاصة بها تعادي المنظومة الأخرى، مما يؤدي إلى ما يسمى بـ«الاستقطاب الحاد».
الصراع في ليبيا، بعد انتفاضة فبراير (شباط) 2011 وسقوط النظام العسكري، أعمق - في رأيي - من الصراع على السلطة أو النفط، خاصة بعد انفراط العقد الاجتماعي الذي كان يربط الليبيين قسرياً. نظام القذافي فرض على الليبيين توافقاً قيمياً بالقوة، وجعله مرجعية وحيدة للهوية والسياسة («الكتاب الأخضر» نظرية ومنهجاً).
بعد سقوط النظام في عام 2011، سقطت معه تلك المرجعية، ووجد الليبيون أنفسهم أمام فراغ قيمي؛ نتيجة لانعدام وجود دستور وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني مهيأة لصياغة توافق جديد، فانفجر الصراع حول سؤالين: من نحن؟ وكيف يجب أن نُحكم؟
انقسم المجتمع الليبي حول قضايا هوية كبرى، تماماً كما وصف جيمس هنتر، ولكن بصبغة محلية وفي ثلاث حلقات متداخلة:
حلقة الصراع الأولى تمحورت حول المرجعية، أي حول دور الدين، فانقسم الشارع الليبي شقين؛ شق يرى في الشريعة الإسلامية مرجعية وحيدة للدولة، وحمل راية هذا الفريق التيارات والأحزاب الإسلاموية بمختلف أطيافها - المعتدلة والمتطرفة - ومن يتعاطف معهم. وفريق ثانٍ يؤكد على حكم مؤسس على دولة مدنية ومرجعية وطنية.
حلقة الصراع الثانية تتمحور حول الانتماء: وتجسد في الصدام بين المرجعية القبلية والجهوية وبين الدولة الحديثة؛ أي بين الانتماء للقبيلة أو الجهة، وبين الانتماء لمفهوم المواطنة في دولة مدنية مركزية.
حلقة الصراع الثالثة تمحورت حول الإرث: تمثلت في الانقسام الحاد بين من يرى أن فترة أربعين عاماً من حكم العقيد القذافي تعد جزءاً من التاريخ الوطني يجب احترامها «الخضر»، وبين من يرى أن تلك الحقبة يجب محوها «الفبرايريون».
غياب التوافق القيمي حَوّلَ الصراع في ليبيا إلى صراع وجودي؛ فكل طرف في ليبيا (شرقاً وغرباً) يرى نفسه الممثل «الأخلاقي» و«الشرعي» للقيم الليبية والأحق بتولي مقاليد الأمور، ويصِمُ الطرف الآخر بـ«الخيانة» أو «الإرهاب» أو «التبعية للخارج»، وهو ما سماه هنتر «نزع الشرعية الرمزي».
الانتقال المفاجئ والسريع بقوة السلاح من نظام شمولي فرض بالقوة توافقاً قيمياً موحداً، إلى حالة من فراغ سياسي، قاد إلى تقسيم البلاد، وأخفق في إيجاد توافق قيمي بين مختلف فئات المجتمع، وأفرز نخبة سياسية - على السطح، تميزت بالانتهازية السياسية وبافتقارها للتجربة والخبرة - استثمرت الانقسام لخدمة مصالحها.
مع أخذنا في الاعتبار أن «ثورة فبراير» 2011 تميزت عن غيرها من ثورات «الربيع العربي» - منذ البداية - بالتدخل الأجنبي، ثم فيما بعد تحول ليبيا إلى ساحة تنافس وصراع بين القوى الأجنبية، وتحول الأطراف الليبية إلى وكلاء محليين ومخالب قطط لحراسة المصالح الأجنبية والدفاع عنها.
السؤال: هل كان التدخل الخارجي سبباً في تعميق هذا الفراغ القيمي وتحويله إلى حرب أهلية، أم أن الفراغ القيمي هو الذي خلق البيئة الخصبة التي اجتذبت هذا التدخل؟ الإجابة، على الأرجح، هي الاثنان معاً في علاقة جدلية معقدة.

