: آخر تحديث

العدالة ورضا الناس وسيادة القانون

5
4
5

يحب الناس تكرار المقولة المأثورة «رضا الناس غاية لا تُدرك». وقد كان أحد أساتذتي يستشهد بهذا القول، حين يحدثنا عن مداراة الناس، ويضيف إليه «والسعي فيه فضل لا يُترك». ولا ينسى التذكير بأن هذه إضافة من عنده، كيلا نسهو فنخلطها مع المأثور. وقد ذهب الأستاذ إلى ربه. وبعد زمن وجدت أن نيل «رضا الناس» ليس من المستحيلات، إذا اتضح المراد بالرضا، ولم يخلط بغيره. وتوجد في أيامنا هذه وسائل عديدة لقياس رضا الناس، وأشهرها فيما أظن «تقرير السعادة العالمي» الذي تشاركت في إعداده 3 هيئات هي «مركز أبحاث جودة الحياة» بجامعة أكسفورد، و«مؤسسة غالوب لأبحاث الرأي العام»، بالإضافة إلى «شبكة حلول التنمية المستدامة» (SDSN) التابعة للأمم المتحدة.

يركز هذا التقرير على العوامل التي تجعل الناس راضين عن حياتهم، متفائلين بالمستقبل أو متشائمين. ومن بينها عوامل تتعلق بالمعيشة والسلام الاجتماعي، والحريات العامة وشيوع العدالة وسيادة القانون. هناك أيضاً تقارير دولية عن رضا المستهلكين وتفاؤلهم، وأخرى عن توقعات مديري المشتريات، التي تشير إلى تفاؤل بأن الناس ستُنفق أكثر أو أقل، أي هل هم متفائلون بالمستقبل القريب أم متشائمون؟ وهو واحد من معاني الرضا. ويظهر أن العديد من المجتمعات يشعر أعضاؤها بقدر من الرضا عن حياتهم، يزيد أحياناً وينقص أحياناً أخرى.

زبدة القول إن رضا الناس غاية ممكنة. لكن بلوغها يحتاج إلى إخراج الرضا من الكلام العام الذي يميل للغموض، إلى التفصيل الذي يمكن -بناء عليه- وضع مؤشرات عن موضوعات الرضا وحدوده.

لكن، لماذا نهتم برضا الناس؟

الجواب: إن رضا جمهور الناس عن وضعهم الحياتي هو العلامة الأبرز على ما نسميه في علم السياسة «الشرعية السياسية». هذا الرضا تعبير عن ارتياح الجمهور لسياسات الدولة؛ إما لأنها وفرت لهم أسباب المعيشة، وإما لأنها وفرت الفرص الكافية للتنافس العادل، وإما لأنها بذلت -في هذا السبيل- جهداً يستحق التقدير. وأحسب أن الإشارة الأولى إلى هذا المعنى في التراث العربي، وردت في وصية الإمام علي بن أبي طالب لواليه على مصر «إن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة... إنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء، العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم».

بطبيعة الحال لا نتوقع أن تكون الأوضاع مؤاتية دائماً. كل بلد سيواجه يوماً ما أزمة في السياسة أو الأمن أو تدبير الوظائف أو التضخم أو الركود الاقتصادي أو غيرها. ولا بد أن كثيراً من الناس لن يرضوا، ولا بد أن كثيراً منهم سيحمّل الحكومة مسؤولية الأزمة، فكيف نصف الوضع يومئذ؟

الجواب: إنه من غير الواقعي أن نتوقع الرضا الدائم، خصوصاً إذا أضفنا إليه الجانب العاطفي، حيث يتأثر البشر -بطبعهم- بعوامل مختلفة، عقلانية وغير عقلانية، فيرضون ويغضبون، لمبررات يتفقون عليها مع غيرهم، أو قد ينفردون بها من دونهم. حينئذ فلا بد أن نضع «الرضا» في محله، فلا نجعله شرطاً وحيداً للشرعية السياسية أو سلامة النظام الاجتماعي.

والذي أميل إليه أن النظام الاجتماعي -إذا كان يقيم العدالة، بالمعنى الذي شرحته في مقال الأسبوع الماضي- مشروع حتى في حالة عدم الرضا. وأشير خصوصاً إلى مبدأ سيادة القانون التي اعتبرتها أبرز تجسيدات العدالة، ولا سيما العدالة التوزيعية والقضائية. في اعتقادي أن العدالة هي الأساس، والرضا يأتي زيادة عليها، والعطف والتراحم يأتيان فوقهما. فإذا استطعنا إقامة نظام اجتماعي يسود فيه التعاطف والتراحم بين الدولة والمجتمع فقد بلغنا غاية المطلوب، وإن لم نستطع اكتفينا بالتراضي، وإن لم نستطع فلا ينبغي أن نفرّط في مبدأ العدل، وأبرز تجسيداته سيادة القانون، كما أسلفت.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد