إيلاف من الرباط: يبدو أن صبر عدد كبير من المغاربة تجاه بعض الأصوات، خصوصا في الجزائر ومصر وفرنسا وإسبانيا، التي تتخذ مواقف سلبية من بلدهم كلما صدر قرار يهم الشأن الكروي المغربي،قد نفذ.
وجاء القرار الأخير الذي أصدرته لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، القاضي بإعلان المنتخب السنغالي في حالة انسحاب خلال نهائي بطولة كأس الأمم الإفريقية - المغرب 2025، مع تأكيد النتيجة لصالح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بفوز "أسود الأطلس" بثلاثة أهداف لصفر، مشكلا النقطة التي أفاضت الكأس، وجعلت شريحة واسعة من المغاربة في حالة استغراب من هذه المواقف الصادرةعن أشخاص ليسوا طرفا، ومن المفترض أنهم أصدقاء وأشقاء، ثم صاروا "أكثر ملكية من الملك"، بانحيازهم الأعمى ضد كل ما هو مغربي، مشددين على أن النزاع، في حالة نهائي أمم إفريقيا، هو مغربي - سنغالي، و"الحكَم" هيئة قارية أصدرت حكمها الاستئنافي وفق لوائح معروفة، وأن من الموضوعية والحياد انتظار ما سيؤول إليه احتكام الطرفين المتنازعين إلى محكمة التحكيم الرياضية (طاس) بلوزان.
منسحب وفائز
كان بيان للاتحاد الإفريقي قد أعلن الثلاثاء أن لجنة الاستئناف التابعة له، قررت، بعد اجتماعها الاثنين،قبول الاستئناف المقدم من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من حيث الشكل والمضمون، مع إلغاء القرار السابق للجنة الانضباط؛ واعتبرت أن سلوك الفريق السنغالي يدخل في نطاق تطبيق المادتين 82 و84 من لائحة كأس الأمم الإفريقية، مع قبول الاعتراض المقدم من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وجرى التأكد من أن الاتحاد السنغالي لكرة القدم من خلال سلوك فريقه قد انتهك المادة 82 من لائحة كأس الأمم الإفريقية. وبناءً على المادة 84 من اللائحة، تم إعلان المنتخب السنغالي منسحبًا من هذه المباراة، مع تسجيل نتيجة ثلاثية نظيفة لصالح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. كما تم رفض جميع الطلبات أو الاستنتاجات الأخرى.
لماذا اتهام المغرب؟
بقدر ما تعامل المغاربة ببرود مع المواقف السنغالية، مشددين على ضرورة أن يبقى النزاع في حدوده الرياضية، وأن يكون الفيصل هو القانون، سواء قاريا أو دوليا، فإنهم لم يستوعبوا عددا من المواقف والتصريحات وردود فعل فئة من جماهير وإعلام مصر والجزائر، على الخصوص، والتي بدل أن تركز على من أصدر القرار، أي لجنة الاستئناف التابعة للهيئة الكروية القارية، أو انتظار فصل محكمة التحكيم الرياضية في الموضوع، سارعوا إلى توجيه أصابع الاتهام إلى المغرب، زاعمين انه مستفيد من الفساد ،وأنه متحكم في الاتحاد الإفريقي وهيئاته، ويسعى بكل الطرق إلى الفوز بالكأس القارية.
متلازمة ستوكهولم
بقدر ما حول المغاربة المواقف الجزائرية من كل ما هو مغربي إلى مادة للسخرية والتفكه، لم يستسيغوا أن يتحامل جزء من الإعلام المصري على المغرب، بتصويره على أنه متحكم في دواليب الاتحاد الإفريقي عن طريق فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم .
وجاء النقاش الحاد الذي جمع بين الدولي المغربي السابق يوسف شيبو والدولي المصري وائل جمعة على إحدى قنوات "بين سبور" القطرية، ليؤكد أن حجم الضيق المغربي من سلوكيات بعض المصريين لم تعد تطاق من قبل جمهور واسع من المغاربة. ومما كتبت صفحة "ماروك فلاش" المغربية، في سياق الانتقاد المغربي الذي صار حادا تجاه مواقف بعض الأصوات الإعلامية والجماهير المصرية: "في مشهدٍ سرياليٍّ تجاوز حدود المنطق الرياضي ليدخل في أروقة التحليل النفسي والاجتماعي، نرقب اليوم حالةً من الذهول أبطالها ثلةٌ من الأصوات الإعلامية والجماهيرية المصرية التي قررت فجأةً ارتداء ثوب المحامي عن "جلادها" التاريخي، في تناقضٍ صارخٍ مع أبسط قواعد الانتماء والهوية. إنها تجليات "متلازمة ستوكهولم" في أبهى صورها الكروية، حيث تنقلب الضحية على نفسها، وتنسى مرارة الهزائم الخمس التاريخية الحاسمة التي جرعتها إياها السنغال، لتتحول تلك الجراح إلى ولاءٍ غريب واندفاعٍ محموم للدفاع عن أحقية من سلبها أحلامها المونديالية والقارية. هذا الضجيج الإعلامي الذي اندلع عقب إنصاف الاتحاد الإفريقي للمغرب، ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو انفجار لهيستيريا جماعية تبرر الإساءة السابقة وتتغنى ببراعة المسيء، وكأن الذاكرة المصرية الجمعية -في هذا القطاع تحديداً- قد حُذفت منها ذكريات الدموع والخيبات أمام "جلادها الأزلي". إن محاولة "شرعنة" سرقة السنغال وتجريد المغرب من حقه المكتسب لا يعبر إلا عن شعورٍ عميق بالعجز، دفع هذه اللجان الإلكترونية والأصوات الموجهة إلى البحث عن الأمان في كنف من كسر كبرياءها الرياضي مراراً وتكرارًا".
ورأت"ماروك فلاش"أن تماهي عدد من المصريين مع "الجلاد" السنغالي، و"محاربة الشقيق المغربي"، إنما "يعكس حالة من التيه الأخلاقي والرياضي، حيث تُطمس الحقائق وتُقلب الموازين لتصبح الإساءة "عظمة" والعدالة "مؤامرة"".
وخلصت "ماروك فلاش" إلى أننا أمام "عرضٍ حي لمقاومة العلاج السلوكي، حيث تصر الضحية على أن تعيش داخل قفص جلادها، تسبح بحمده وترفض الحرية،في مشهد سيسجله التاريخ كأغرب سقطات العقل الجمعي في تاريخ الإعلام الرياضي المصري".
حجي وحماقة لوروا
خلال استضافته من طرف إحدى القنوات التلفزيوني الفرنسية المتخصصة في الشأن الرياضي، لم يتأخر الدولي المغربي مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الإفريقية للعام 1989، في توجيه نقد لاذع للمدرب الفرنسي كلود لوروا، الذي خرج، بعد إعلان القرار الصادر عن لجنة الاستئناف، بتصريحات كثيرة وجه فيها سهامه نحو المغرب. ورأى حجي أن كلود لوروا هو "ملك الحماقة"، مشددا على أنه يتوجب عليه "عندما يتحدث عن التلاعب، أن يقدم أسماء ويعرض أدلة على ما يدعيه.
مغالطات إسبانية
من جهته، كتب سمير بنيس، المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية، منتقدا الصحافة الإسبانية، التي نشرت "مغالطات وأكاذيب" تصور السنغال مظلومة والمغرب يحظى بدعم الاتحادين الإفريقي والدولي. ومما كتب بنيس، في هذا الصدد: "الصحافة الإسبانية التي عودتنا على تصريف عدائها للمغرب لم تستسغ قرار الكاف ، وبدأت تنشر تقارير ومقالات رأي تتضمن مغالطات وأكاذيب الهدف منها هو تصوير السنغال على أنها تعرضت للظلم وأن المغرب يحظى بدعم الكاف والفيفا. جريدة "ماركا" المدريدية المعروفة بانعدام مصداقيتها ونزاهتها نشرت مقال رأي لم تشر فيه لا من قريب ولا من بعيد لمخالفة السنغال لقانون اللعبة حينما غادرت الملعب وركزت عوض ذلك على حادث المنشفة وتصرف جامعةالكرة. وكعادتها، كلما تعلق الأمر بالمغرب، ادعت بشكل مغرض ومستفز بأن المغرب بحكم قربه من جياني إنفانتينو رئيس " الفيفا" سيحصل على كل الامتيازات في كاس العالم 2030".
توضيحات
اختار عدد من المحللين والنقاد والإعلاميين والمهتمين المغاربة بالمجال الرياضي أن يطرحوا وجهات نظرهم في الموضوع، وأن يقدموا تحليلات ومضامين تقرب القارئ أكثر من الموضوع، عساه يبني أحكاما صائبة لا تحامل فيها، مشددين على أن القضية ينتظرها فصل جديد، حين يحتكم الطرفان إلى هيئة التحكيم الدولية.
في سياق ذلك، خرج سمير بنيس في تدوينة ثانية، كتب فيها:"منذ أن أصدرت لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الافريقي قرارها التاريخي القاضي باعتبار منتخب السنغال خاسراً واعتبار المنتخب بطلاً لكأس افريقيا، عبر الكثير من المغاربة عن تخوفهم من أن تقوم محكمة التحكيم الرياضية بإلغاء الحكم الصادر عن لجنة الاستئناف. كما ذهب البعض إلى القول إن الأمر لم يتم حسمه وأن هناك إمكانية بأن يكون تأويل (الطاس) للقانون مخالفا للحكم الذي أصدرته لجنة الاستئناف التابعة ل" الكاف" . لإزالة الالتباس حول صلاحيات "الطاس " وحول ما إذا كانت ستقوم بتأويل قانون "الكاف " في هذا الاتجاه أو ذاك أود الإشارة إلى ما يلي: أولاً: أن (الطاس )ستقوم بالتأكد ما إذا كانت الاتحاد الافريقي قد قام بتطبيق القانون المنظم لمسابقات كأس افريقيا. وفي حال استنتجت أن (الكاف)لم تقم بتطبيق قوانينها، فستقوم بإلغاء القرار الصادر عن لجنة الاستئناف. غير أن هذا السيناريو لا ينطبق على هذه الحالة، وهو ما يحيلنا على النقطة الثانية والأساسية. إن المادة 82 من لوائح (الكاف )واضحة ولا لبس فيها في هذا الشأن، إذ تنص بشكل قاطع على أن "أي فريق يغادر أرضية الملعب قبل نهاية الوقت القانوني للمباراة من دون إذن الحكم يُعتبر خاسرًا" وهو ما ينطبق على المنتخب السنغالي. إن صياغة هذه المادة ذات أهمية بالغة. فعبارة "يُعتبر خاسرًا" بدلاً من "يمكن اعتباره خاسرًا" تعني بوضوح أن النص لا يترك أي مجال لتقدير الحكم ولا حتى ل" الكاف " للامتناع عن تطبيق العقوبة الإلزامية المقررة عند حدوث مثل هذه الحالة. علاوة على ذلك، وبما أن المادة 82 لا تنص على أي استثناء يسمح للفريق بالعودة إلى الملعب (أي لا تتضمن عبارة "ما لم يعد الفريق للملعب")، كما أنها لا تحدد مدة مغادرة أرضية الملعب اللازمة لاعتبار ذلك مخالفة (سواء دقيقتين أو خمسًا أو خمس عشرة دقيقة أو أكثر)، فإن تطبيقها يصبح تلقائيًا. وبعبارة أخرى، فإن مجرد وقوع الحالة المنصوص عليها في هذه المادة يؤدي تلقائيًا إلى تفعيل القاعدة المقررة. أما الجانب الثاني، المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأول، فيتعلق بعدم تطبيق المادة 12 من قوانين اللعبة الصادرة عن IFAB، والتي تنص بوضوح على أن أي لاعب يغادر أرضية الملعب دون إذن الحكم يجب أن يتلقى بطاقة صفراء. ومن خلال عدم تطبيق هذه القاعدة، تسبب الحكم في ظلم لا يمكن جبره في حق المغرب. فلو تم تطبيق القانون بشكل صحيح، لتم طرد لاعبين سنغاليين كانا قد تحصلا بالفعل على بطاقتين صفراوين، وهما إسماعيلا سار والحاجي ضيوف. وكان من شأن ذلك أن يُجبر منتخب السنغال على مواصلة المباراة بتسعة لاعبين في مواجهة أحد عشر لاعبًا مغربيًا. وفي مثل هذا السيناريو، وحتى بعد إضاعة براهيم دياز لضربة الجزاء، كانت فرص المغرب في الفوز بالمباراة خلال الوقت الإضافي ستصبح أعلى بكثير. بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن المادة 82 لا تقبل أي تأويل أو أي جدل بخصوص وجوب تطبيقها في هذه الحالة. كما يتضح بوضوح أن حظوظ المنتخب السنغالي في قلب الموازين لصالحه لدى محكمة (الطاس )ضعيفة جداً إن لم نقل إنها شبه منعدمة. بل هناك احتمال أن تقوم (الطاس) بالحكم بحرمان السنغال من المشاركة في نسختين من كأس افريقيا تماشيا مع القوانين المنظمة لكأس افريقيا".
الخلاصة
كتب الإعلامي والباحث أحمد الدافري أن "الكأس حكمت فيها لجنة الاستئناف في (الكاف)،وفق ما توفر لديها من محاضر وتقارير تثبت خرق القوانين وممارسة الابتزاز اللاأخلاقي المتعارض مع قانون اللعبة". وشدد على أن "الكأس حُسم في من هو صاحبه من خلال لجنة الاستئناف في ال (كاف)".
وأضاف الدافري: "القوانين والمؤسسات هي الوحيدة التي يمكن أن تعطي الحكم النهائي الذي ستدخل به دورة "كان 2025" التاريخ، والجهة الوحيدة التي لها الرأي القانوني في الموضوع هي (TAS)، التي تعني بالفرنسية (Tribunal d'Arbitrage du Sport) أي: محكمة التحكيم الرياضية، والتي يسميها الإنجليز باسم (CAS)، أي (Court of Arbitration for Sport.). هذه المحكمة التي هي أعلى هيئة قضائية رياضية دولية، عندما ستصدر حكمها، سينضبط له المغرب، الذي لا يريد شيئا سوى تطبيق القانون، لأن الانتصار في كرة القدم ينبغي بالفعل وحقيقة أن يكون داخل الميدان. لذلك لا ينبغي أن يكون بممارسة الابتزاز وبممارسة البلطجة وبمنطق لا تصفر ضدي ضربة جزاء أو أفسد لك الحفلة وأنسحب من الميدان".
بعض التروي
من جهته، كتب منصف اليازغي، الباحث المتخصص في السياسة الرياضية : "فرق بين أن تكون حذرا.. وبين أن تكون متهورا! هناك فرق بين أن تكون حذرا في موضوع محكمة( الطاس)،وبين أن تكون متشائما. هناك فرق بين أن تترقب الحكم النهائي للطاس بهدوء، وبين أن تنساق وراء الإقرار بأن الحكم هو في صالح المغرب بشكل نهائي. الأمر يتعلق بمحكمة( الطاس)، وتأويلاتها للنصوص قد تتعارض أو تتوافق مع تأويل لجنتي الانضباط والاستئناف، هذا احتمال لا نرغب فيه. كلنا نريد الكأس الثانية، كلنا نريد الرد على كل من طعن بلادنا من الخلف، لكن المنطق يقتضي التروي بناء على تجارب سابقة. هناك من لا يقبل إلا أن تقول له صباح مساء "المغرب ضامن للكأس"، وآخر لا يقبل أن يسمع بأن الأمور لم تحسم بعد، وآخر ببلاهة يوزع صكوك الخيانة على كل من تجرأ وقال إن القضية مازالت لم تنته. الفصول القانونية حمّالة أوجه، ومحطة (الطاس)، هي المحطة النهائية، ويتوجب التعامل معها بتركيز شديد. صحيح أنه كلما فصّلنا في المواد المعنية بالقضية إلا وظهرت أمامنا فرصا أكبر لتتويج مغربي مستحق باللقب الثاني، لكن كما يقول المثل المغربي "ما تسبقش الفرحة بليلة"، ( لا استبق الفرحة بليلة ) أو "حتى يتزاد وسميه سعيد"( حتى يولد وسميه سعيد ) ، المغرب يدخل محطة محكمة (الطاس)وفي جعبته حكم يمنحه اللقب، وهو ما يشكل فارقا مهما، عكس ما إذا كان يتوجه إلى لوزان بقرار للجنة الاستئناف يثبت قرار لجنة الانضباط".


