: آخر تحديث

اشتباكات بيروت : تمثيلية داميّة في مسرح اللادولة

16
16
7
مواضيع ذات صلة

اشتعل الشارع اللبناني الأسبوع المنصرم، في مشهد أعاد للأذهان الحرب الأهلية وسط تخوفات حقيقية من الانجرار الى العنف المسلح، وسط اتهامات متبادلة بين الأطراف السياسية وغياب الدور الفاعل للدولة اللبنانية، وبعد تلاشي كافة الخدمات وتحلل المؤسسات الرسمية بحيث لم يبقى من لبنان إلا اسمه والعلم اللبناني إلا رسمه. فلبنان على الحقيقة تغيب عنه أبسط المقومات الأساسية التي على أساسها يتمّ الاعتراف بكيان جيوسياسي ما على أنّه دولة.

فلبنان ليس كيانًا سياسيًّا موحدًّا، بل مجموعة كيانات متنافرة متناحرة تختلف عقائدها ورؤاها وانتماءاتها، و كلّ حزب بما لديهم فرحون، لكن كل تلك الأحزاب المختلفة حتى النخاع "شكلاً" متفقون حتى الصميم "مضمومًا" على أمورعدّة منها:

اولاً: ضرورة إبقاء الناس تحت سيطرة "زعماء طوائفهم ومذاهبهم".

ثانيًا: اعتماد الخطاب الطائفي والمذهبي لِشدّ عصب ابناء كل مذهب او طرف.

ثالثًا: كل تلك الاحزاب تتعامل مع الدولة على أنّها مكان لتقاسم الحصص والنفوذ والمغانم الماليّة وبالتالي تسعى كلّ فئة لكسب ما أمكن من حصصها في الوزارات التي تعود "مغانمها" للطرف السياسي الذي تعمل من أجله.

رابِعًا: اعتماد سياسة غضّ الطرف عن السرقات المهولة والاثراء الغير المشروع، فعلى الرغم من العداء الظاهر في الشكل فيما بينهم، الا انّهم متفقون عن تغطية "الفساد المالي والاداري" الذي هم شركاء فيه ومتورطون به حتى النخاع، أما ما نشهده أحيانا من تهديدات من قبل بعض الأطراف بفضح الفاسدين فليس سوى مسرحية للتغطية على أمور اخرى او كسب موقف سياسي في مكان آخر.

خامسًا: كلّ الاحزاب المذهبية متفقة على تكريس مبدأ "الشحادة"  وطلب المساعدة من الدول الأخرى ومن البنك الدولي، وان اختلفوا شكلا على كيفية ذلك. حتى ان الديبلوماسيون الأجانب اصبحوا يتحاشون اللقاء بأي لبناني في المحافل الدولية تفاديًا لذلك، كما انهم قد ضاقوا زرعًا من الملف اللبناني بكامله.

سادسًا: الحزب الحاكم الفعلي الآمر الناهي على الحقيقة هو "حزب الله" و الحاكم بأمر الدولة هو وفيق صَفا والوجه الاعلامي لاخراج تلك المسرحيات هو حسن نصر الله ... وجميع "الزعماء" في لبنان متفقون ضمنا على ذلك طالما ان الدول الخارجية تغض الطرف عن ذلك ... ومن ثمّ فإن بقية الاحزاب لا تعارض حزب الله على الحقيقة الا بالقدر الذي تسعى من خلاله تحقيق مكسب ما يكرس حالة اللادولة والفوضى تلك.

سابِعًا: كل الاحزاب متفقة ضمنًا على ضرورة اعادة انتاج نفسها من جديد في الانتخابات القادمة لذلك فهم يعملون سويًا وكتفًا بكتف لإقرار قوانين تضمن لهم الاستمرارية تلك، ومنها منع المغتربين من حق التصويت لكافة اعضاء البرلمان، اضافة الى انهم على استعداد لالغاء الانتخابات والتمديد لأنفسهم ان هم أحسّوا ان القوى المدنية ممكن ان تكتسح الفوز فيها.

في اطار كل ما تقدم فإنه يمكن فهم سياق  تلك المسرحية الدامية التي رأيناها الأسبوع المنصرم، فحزب الله وحركة امل الرافضتين الانصياع لطلب القضاء الذي يحقق في قضية انفجار المرفأ الذي دمر العاصمة واودى بحياة اكثر من مئتي شخص، هدّدان باستخدام الشارع بهدف عزل القاضي طارق بيطار، وذلك عبر مسيرات مسلّحة تجوب الشوارع وتكتنز الكثير من الشتائم التي  تستفز الناس، فيستغل حزب القوات اللبنانية تلك الحالة ليثبت وجوده ويقدم نفسه على انّه حامي المسيحيين ويضمن لنفسه مزيدا من التأييد الجماهيري.

اخيرًا، إن الطبقة السياسية برّمتها والزعماء كلهم اجمعين دون استثناء يجيدون اللعب على الحواف وعلى الدماء لابقاء الوضع على ما هو عليه.

الكرة الآن في ملعب الشعب، وعلى الانسان اللبناني ان يتحمل كامل المسؤولية ليرفض حالة الفوضى تلك عبر التخلص من المذهبية والطائفية الى غير رجعة وذلك لضمان نقاء سلطة الدولة، لأنه في ظل الدوّامة الحالية فإن دور "الدولة" بمفهومها الحقيقي والعميق يبقى معطَّلا، ويصبح "الجهاز الحاكم" طائفة من جملة الطوائف بدلا من ان يكون له دور اداري وتنموي. والبداية وقبل كل شيء تكون عبر الكفّ عن الهتاف للزعماء و عدم الانصياع لرغباتهم وهم الذين يحولون اتباعهم إلى وقود في معاركهم الخاصة ليحققوا مزيدا من مكاسبهم على حساب الانسان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي