: آخر تحديث

حزب الله.. وخيوط العنكبوت!

22
22
10
مواضيع ذات صلة

هيا بنا نصدّق رواية حزب الله وآل بيته: "في كمين مدبّر، ارتقى قواتيون مسلحون المصاعد والسلالم في أبنية مختلفة في محيط الطيونة، وفي عين الرمانة والشياح، وقنصوا مدنيين نخبويين من حزب الله وحركة أمل، كانوا يسيرون مسالمين في تظاهرة سلمية غير مسلحة باتجاه قصر العدل مطالبين بسحب ملف التحقيق في انفجار 4 أغسطس 2020 بمرفأ بيروت من يد القاضي المسيّس طارق البيطار الذي لا يريد تبيان الحقيقة إنما يريد اتهام حزب الله بهذه الجريمة".

ها قد صدقنا الرواية. والآن.. ثمة تساؤلات "بريئة" تعنّ في البال، فأفيدونا.

أولًا: المنطقة حيث جرت الاشتباكات هي بوابة الضاحية الجنوبية من ناحية الشرق. وفي سجلها الجيوعسكري تاريخ طويل من المعارك الطاحنة، خصوصًا بين عين الرمانة والشياح في الحرب الأهلية، وتجددت المناوشات أخيرًا في أيام ثورة 17 تشرين اللبنانية، خصوصًا أن لسمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، نفوذ في عين الرمانة. بالتالي، إنها منطقة غير مسالمة في المنطق الأمني من منظار حزب الله. فكيف إذًا تمكن قواتيون من الوصول إلى أعالي السطوح في أبنية يملك شققها ويسكنها موالون لحزب الله، بالإيديوليوجيا في الحد الأقصى أو بالمذهب في الحد الأدنى؟ ألا يعد هذا خرقًا أمنيًا كبيرًا، إن دلّ على أي شيء فإنه يدل على أن نسيج البئية الحاضنة للمقاومة أوهن من خيوط العنكبوت؟

ثانيًا: إن صحّ قولكم إن القناصين قواتيون، وتمكنوا من تكبيد حزب الله وحركة أمل سبعة قتلى و30 جريحًا، فهذا يعني أن أمن الحزب وأمن الحركة ارتكبا تقصيرًا فادحًا في تأمين الطريق بين الضاحية جنوبية ومنطقة العدلية. فهل يُعقل أن يسير قياديون نقابيون ونخبويون تابعون لحزب الله وحركة أمل في منطقة مكشوفة من دون أن تكون أجهزة الأمن التابعة للتنظيمين الشيعيين قد مشطت المكان، وأمنته، وحمت ظهر التظاهرة، وهذا من ألفباء العمل الأمني؟ ألا يعني هذا أن على التنظيمين فتح التحقيقات في هذه التقصير الذي هدد أمن المقاومة كله، وأمن لبنان ما دام حزب الله وكّل نفسه بالدفاع عن لبنان، وأمن منظومة الممانعة برمتها، وأمن إيران نفسها ما دام حزب الله جيش يدافع عن إيران من خارجها، بشهادة القائد العسكري الإيران علي غلام رشيد؟

ثالثًا: في ليل الأربعاء - الخميس، كان قياديون قواتيون موجودين في عين الرمانة لأن الجميع كان يعرف أن جمهور حزب الله وحركة أمل سيحاول الدخول إلى مناطق مسيحية للتهويل، على عادته. كما زارها رئيس حزب الكتائب النائب المستقيل سامي الجميل للاطلاع على أوضاع مناصريه هناك. لو سلمنا جدلًا أن الذي جرى مدبرٌ، ألم يتنبّه إلى ذلك شبان حزب الله وحركة أمل المزروعين على زوايا الأرصفة، يجلسون ليل نهار يدخنون الأرغيلة، وفيها بعض الحشيشة أحيانًا، يراقبون الداخل إلى عين الرمانة والخارج منها كالرادارات؟ ألم تعرف قيادتا الحزب والحركة بما يجري في عين الرمانة؟ ألم ينتهِ إلى المسؤولين فيهما أن حركة غريبة تجري في عين الرمانة، خصوصًا أن شبانًا في الأشرفية، المنطقة المسيحية في بيروت، قد رفعوا صلبانًا على أبواب منطقتهم تعبيرًا عن منعتها بوجه غزوات متوقعة من الحزب والحركة؟ إن عرفوا فتلك مصيبة، وإن لم يعرفوا فالمصيبة أعظم، بالنسبة إلى الثنائي الشيعي بالتأكيد.

رابعًا: من يرَ الصور والمقاطع المصورة لهؤلاء المسلحين الذين يرتدون قمصانًا سودًا ويطلقون الهواء نحو المجهول، بينما يقف حولهم عدد كبير من المدنيين، وكأن المعركة على التلفاز، أو كأن الرصاص المستخدم خلّبيٌ غير حقيقي، يتساءلْ: "ألا يخاف هؤلاء المدنيون أن تُرديهم رصاصة، أو أن تصيبهم شظايا من قذيفة صاروخية كتلك التي رماها عنصر من أحد التنظيمين فأصابت شرفة منزل فوقه تمامًا؟ ألا يخافون أن يأتي الرد من الجانب الثاني قاسيًا يحصد مئات المدنيين المتجمهرين في مكان ينبغي أن يُمنع الوقوف فيه من ليس له عمل؟". ساكنٌ في تلك المنطقة أسرّ إليّ بأن المعركة الحقيقية جرت في أول ساعة من زمن الاشتباك الذي امتد أربع ساعات، وحينها سقط أول الجرحى في عين الرمانة حين دخلها أشرف الناس مكسرين محطمين، ثم سقط القتلى لاحقًا، فيما كان الرصاص في الساعات الثلاثة الباقية شبه موجه في اتجاه واحد.. من عناصر حزب الله وحركة أمل المدججين بالسلاح والعتاد نحو أبنية سكنية وجدران ونوافذ زجاجية، من غير رد. ولهذا استمرت "الحلقة" هذه المدة الطويلة. وختم: "إنه فيلم أميركي طويل يا عزيزي". ويصادق على هذه الدراما ما رشح عن عجز الأجهزة الأمنية اللبنانية المختلفة عن الحصول على أي صور أو مقاطع لمسلحين في عين الرمانة وعلى أطرافها.

خامسًا: فاجأ وزير الداخلية بسام المولوي، وهو قاض سابق، اللبنانيين بأنه لم يكن يعرف بأي تحضيرات سابقة لهذا التدهور الأمني الخطير، ولم ينتهِ إلى سمعه ما تداوله اللبنانيون ليلة الحدث من رسائل صوتية وجهها قادة حركيون في أمل لمحازبيهم بالتعبئة والتحضر لشيء كبير سيحصل بين الخميس والأحد، حتى أنهم حثوا عناصر حركة أمل الساكنين خارج بيروت على التوجه إلى العاصمة والبقاء فيها. حتى أنه أبدى عجبه مما حصل، لعدم توافر أي معلومات لدى الأجهزة الأمنية. لكن، وبلمح البصر، تأكد لجميع الأجهزة "المقصرة في جمع المعلومات الاستباقية" أن القواتيين في عين الرمانة قنصوا أبرياء شيعة في الشارع. فهل قرأوا ذلك في فنجان وفيق صفا، مندوب حزب الله السامي؟

سادسًا: إن صحّ ما سبق كله، فهذا يعني أن القوات اللبنانية، بضربة معلم، كشفت مكامن الضعف العديدة في أمن حزب الله وحركة أمل. وجست منه نبض استجابته الأمنية والعسكرية، في الزمان والمكان والعديد والعتاد، ما جعل القواتيين متقدمين خطوة، أمنيًا وعسكريًا، على حزب الله الذي يتباهى دائمًا بقدراته الأمنية والعسكرية، والذي يحاول جاهدًا إقناع بيئته، والبيئات الأخرى المناصرة والمناوئة في آن، بأنه الجيش الذي لا يُقهر، لا في لبنان ولا في خارجه، متكئًا على بعض إنجازات في منطقة الحدود اللبنانية – السورية، في الطفيل وجرود عرسال. فهل منطقي اليوم أن يحرص حزب الله شديدًا على ترسيخ هذه الصورة في أذهان الناس، ثم يظهر نمرًا من ورق على أبواب عين الرمانة، خصوصًا بعدما ظهرت مقاطع مصورة عديدة تبيّن أنصاره ومحازبيه يهربون بسلاحهم نحو أبواب الضاحية الجنوبية ما أن لعلع الرصاص في بداية الاشتباك؟

بكلمتين أخيرتين.. إن صدقنا رواية حزب الله وحركة أمل المشتركة، يبدو لنا جليًا أن من البلاهة التسليم بأن "المقاومة" هي درع لبنان المنيع، وبأن سلاح المقاومة والمقاومين وأمن المقاومة والمقاومين سيمنعان إسرائيل من بلوغ أربها في لبنان، وبأنه لولا حزب الله لاجتاحنا التكفيريون. ويبدو لنا أن من الغباء تصديق حزب الله في ادعاءاته اليومية. ولا يظنن أحدٌ أن البلاهة أو الغباء من شيم اللبنانيين اليوم. 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي