ضرب من العبث أن أخصّ أبي بيوم من أيام العالم، وهو العالم الأكبر الذي أحيا فيه، وأتفيأ ظلال روحه، وأنهل من معين حكمته ورحمته.
عبثاً أحاول حين أجاري موجة الأقلام المحمومة التي تتغنى بالأب في يومه العالمي!
#يوم_الأب
#يوم_الاب_العالمي

يا للظلم المبين، أللأب يوم واحد في سلسة زماننا المتعدد؟!
كيف ألقى وجهك يا أبي حين أحتفل مع المحتفين بيوم يُعَوّضون فيه قصورهم، ويُعَبّرون فيه عن تقصيرهم، وأنت الذي ما غبت عني حسا ولا أثرا.. باقٍ معي وأنا باق فيك!
أي يوم هذا الذي نبخسك به، وأنت كل أيامنا؟!
ويكأنها إهانة عظمى في حقك حين نجعل لك يوماً عابرًا كباقي الأشياء..أنت لست شيئا، أنت أكبر الأشياء، وأفخم من الأيام، ولولا لعبة المجاز ما هضمتُ هذا اليوم، ولا جاريتهم فيه.
كيف لنا أن نقوى على وصف ما لا يمكن وصفه، أو شكر ما لا يمكن حصره، أو حتى كتابة ما يعجز اللسان والبيان عن إدراك جماله وجلاله.
إلى الآباء الذين جعلوا الحياة أكثر سهولةً ونعومة برغم قسوتها ومرارتها، وأكثر رغدًا ورفاهية برغم شحّها ومضاضتها، وأكثر أمانًا واطمئنانًا برغم فزعها ورعبها.. إليهم جميعًا تحيةً معطرةً بقلوبنا التي تنبض بهم ولهم ومن أجلهم.
إلى الأبطال الخارقين؛ لأن كل أبٍ عظيمٍ بطلٌ خارقٌ بالضرورة.
إلى أبي..ذلك الشيخ الجليل الذي لم يكن أبي فحسب،بل كان معلمي وملهمي والبطل العظيم في حياتي،إلى من كانت حكمته تسبق رأيه،وحلمه يسبق فعله،ولينه يسبق شدته،ودماثة خُلقِه تسبق قوله.
إلى الرجل الذي علمني ما لم تعلمني إياه الحياة،قل أبي وكفى،وستزهر في روحي السماوات،وتشرق في قلبي مداراتها.
لقد كتبت عنك يا أبي مرارًا وتكرارًا،
رصفت الكلمات، ونظمت أجمل القوافي، وكتبت أروع العبارات، لقد حدثتهم عنك طويلًا.. حدثتهم عن كرمك وتواضعك وصبرك واجتهادك.. حدثتهم عن مواقفك الخالدة التي لا تُنسى، ولا ينكرها أصيل.

حدثتهم عن تضحياتك العظيمة.. التضحيات التي جعلت الحياة تبدو أسهل في نظرنا، أقسى في نظر تعبك وكدّك وتحمّلك وصبرك.
كنا نقف نحن وأنت على ضفتين متقابلتين، ضفة مزروعة بما لذ وطاب، محاطة بالبساتين من كل مكان، وتنعم بأمانٍ واطمئنان حتى خِلْنا الحياة كلها كذلك،
وثمّة ضفة أخرى التي أنت بها يحيطها الشقاء والتعب من كل مكان، حياة كلها مشقةٌ وكدر، لم يبق في جسمك موضع شبر إلا وللحياة فيها ندوب، ولم تبق في عينك نظرة إلا وللمتاعب فيها أثر،حتى ذاكرتك خذلتك ممّا رأته وممّا مرّ عليها من مواقف صعبة أحدثت ندوبًا تلو الأخرى حتى مزّقتها وأوهنتها …
كنت يا أبي تكافح النيران بينما كنا نلعب في بِرك المياه..
كنت يا أبي تجوع الليالي بينما كنا نحتار ما نأكل..
كنت تسهر يا ضياء روحي لننام، وتتعب لنرتاح، وتشقى لننعم، وتحزن لنسعد،
كنت تئنّ يا فؤادي لتملأ قهقهاتُنا أرجاء المكان.
صغارًا كنا لا ندرك أن الحياة بهذه المشقة،ولا بهذا العناء؛لم نكن نعرف عنها سوى أنها لهو وضحكات وملذات حياة
كبرتُ يا تاج رأسي لأدرك بما يكفي أن كل ضحكةٍ ضحكتُها صغيرًا كنت أنت تئن في الضفة الأخرى حتى تُؤمِّن لصغارك ضحكةً دافئة،وكل وقت لعب يمر علينا سريعًا كان وقتك أكثر صعوبةً ومشقة
كبرتُ يا بلسم روحي لأدرك كم كنتَ عظيمًا وملهمًا ومعطاءً،
لم تكن تخبرنا عن شقوة الحياة فيك، ولا عن تعبها ووجعها،
لم تكن أمي حفظها الله تخبرنا عن معاناتك، ولا عن آلامك التي كانت تكمدها في نهاية اليوم ، وكلّ يوم …
كتبتُ ماكتبت بلسان كل ابنٍ وبنت لآبائهم ولسان حالهم يقول:
سأبقى وفيًّا يا تاج رأسي لكل لحظة تعبٍ تعبتَها من أجلنا،ولكل قطرة عرقٍ سكبتَها لنزداد نداوة!
أخيرًا يا سيدي وتاج رأسي وبلسم روحي،
كل لحظةٍ أعيشها في حياتي هي يومك العالمي،ليس هذا اليوم فحسب
سأبقى مدينًا لك بكل أيامي للأبد
أبتي، وتخضرُّ المواسمُ في دمي
ويصيرُ رملُ العُمْرِ تِبْرًا في يدي
أبتي، وتشرقُ شمسُ أيامي التي
بضياءِ روحِكَ تستنيرُ وتهتدي
أَهْدَوكَ يومًا عالميًّا واحدًا
ولأنتَ كلُّ زمانِنا المتعدّدِ
ما كنتَ في الأيامِ يومًا عابرًا
بل أنتَ في الأيامِ عُمْرٌ سَرْمَدي

