: آخر تحديث

رحلة نحو الذات

52
52
41

{وفي أنفسكم أفلا تبصرون}
كلما قطعت البشرية أشواطا في العلم تيقن الإنسان أنه محدود الإمكانات، وأنه سيظل يزداد يقينا بضعفه كلما ازداد علما.

هذا هو العقل السوي، أما العقل المضطرب فلا يدرك، ولا يدرك أنه لا يدرك، ولذا يظل صاحب هذا العقل واثقا بذاته وإمكاناته ثقة مَقْلَب، أو ثقة ديك بثعلب!
الإنسان وما أدراك ما الإنسان، جوهر الكون، وأكثر مخلوقات اللهِ تعقيدًا وحبكة.
لقد أبدع الخالق سبحانه في خلق هذا الكون البديع، وتجلت قدرته جل جلاله في مخلوقاته العظيمة من نجوم هائلةٍ لا تعد ولا تحصى تسبح في ملكوته بأمره وفق قانون إلهي لا يمكن لأي مخلوقٍ في هذا النظام الكوني مهما عَظُمَ أن يتجاوزه.. لا كواكب سيارة، ولا نجومٌ مضيئة، ولا حتى شموسٌ تلتهب.
كلها تسير وفق مراد الله.. 
مليارات الكواكب، وملايين المجرات، ما يجعل العلم يقف حائراً أمام هذا الخلق العظيم في هذه المنظومة الدقيقة!
لا أحد يعرف عدد مجرات الكون..أقل تقدير لها يفترض أن القريب منها على محيطنا يقارب 220 مليار مجرة..هذا فقط في المحيط المرئي، أو الممكن أن يكون مرئيا، ولكن هذا ليس كل شيء، إنّما هذا هو أبعد ما يمكن للتلسكوبات أن ترصده.
التلسكوبات البشرية ليست بذات القدرة والقوة والكفاءة لرصد كل حركة في العالم الخارجي.. تحاول (ناسا) مناقشة هذا الأمر بنوع من الدقة:

«يقدّر وجود حوالي 200 مليار مجرة في الكون المرئي (observable Universe)؛ لكننا غير قادرين على رؤيتها؛ لأن تلسكوباتنا ليست حساسة بالدرجة الكافية لرصدها
بالإضافة إلى ذلك فإن وجود أنواع مختلفة من التلسكوبات سيكون أفضل لناحية اكتشاف أنواع مختلفة من المجرات؛ فعلى سبيل المثال: العديد من المجرات البعيدة -المجرات الموجودة في المراحل المبكرة من التاريخ الكوني- غبارية جداً، ويحجب هذا الغبار الضوء المرئي للنجوم،
ولذلك فإن تسلكوبات كهابل التي ترصد الضوء المرئي لا ترى هذه المجرات الغبارية، على أي حال، ترتفع حرارة ذلك الغبار نتيجة امتصاصه الضوء النجمي، ومن ثمّ يُصدر أشعة تحت حمراء تُكتشف من قبل تلسكوبات عاملة في مجال الأشعة تحت الحمراء كهيرتشل،
في النهاية إنّ جميع ما تم رصده ومسحه من المجرات معاً يُمثّل تحدياً حقيقيا، ويؤثر في التوقعات والتقديرات المتعلقة بعدد المجرات الموجودة في الكون.. لا أحد واثق تماماً من العدد الكلي للمجرات.. هنا الملايين منها بالتأكيد».
هذا بخصوص عالمنا الخارجي ….
بعد هذه المقدّمة أصل لما أريد البحث والغوص فيه … الإنسان ؟ وما أدراك ما الإنسان !
ماذا عن الإنسان هذا المخلوق العبقري الذي يحاول أن يكتشف العالم من حوله، ويحاول أن يفك شفرة الأشياء في عالمه؟ ماذا عن نفسه؟ وعن تركيبته؟ وعن العوالم العميقة التي بداخله؟
هل فكرت مرةً بالسعي الحثيث لرحلة الإنسان نحو المريخ،واكتشاف بيئة مناسبة للعيش هناك؟أو رحلاته نحو القمر؟!
في منظوري الأمر مختلفٌ تمامًا،فرحلتي الأهم دومًا هي الإبحار في داخلي..في هذه النفس البشرية،والغوص في أسبارها،ومحاولة معرفة أبعد نقطةٍ يستطيع الإنسان بلوغها في أعماقه السحيقة.
هل يمكن لإنسانٍ ما أن يكتشف داخله؟ أن يتعرف على نفسه من الداخل أكثر مما يبدو له.. لماذا صراع الخير والشر منذ أن بدأت الخليقة؟ من أين ذلك بداخلنا؟ هل ثمة ينبوعٌ ينبع منه الخير في الإنسان حتى يفيض إلى الخارجي؟ وكذلك هل هناك حممٌ متفجرة منها تتصاعد أبخرة الشرور في الإنسان؟
لطالما تفكرت في وضع الإنسان، وفي خلقه، وأبحرت طويلاً في عوالمه، ولطالما كان هذا المخلوق العجيب أكثر إبهارًا وسحرًا لي وأكثر لغزًا وتعقيدًا وحيرة.
جرب أن تخلو بنفسك يومًا، وتمخر في عباب خِلْدها، جرب ذلك لترى العالم على حقيقته.. تفكر في آيات الله فيك،
انظر كيف يدار كل عضوٍ فيك من قِبلك دون أن يكون لك إرادةٌ في ذلك، قلبك ينبض دون أن يكون لك عليه سلطان، عدد نبضات قلبك في الدقيقة.. كمية الدماء المتدفقة، عدد الأعضاء التي تستقبل هذا الدم المليء بالأكسجين..
مقدار الدم الذي يُضَخ في كل الأعضاء على مدار الثانية، ورحلة الدماء في إيابها للقلب.. كل ذلك يحدث في داخلك دون أن يكون لك يدٌ فيه.. تخيل أن يوكل للإنسان هذه المهمة لساعةٍ من نهار فقط! 
لن يبقى حينها على وجه البسيطة إنسان.
جرب أن تقرأ عن عضو آخر في جسدك النحيل..
اقرأ عن الكلية وأدوارها الحيوية في جسدك.. هل تعرف حقًا كم لترًا من الدماء تصفيه كليتاك يوميًا؟
تقريبا 1500 لترًا يوميًا يتم تصفيته من خلال كليتيك الضئيلتين،وتتم معالجته بواسطة الكليونات (الوحدات الكلوية) التي يبلغ عددها مليون كليون تقريبًا،
وتحتوي الكليونات على مرشحات صغيرة تسمى الكبيبات التي تقوم بترشيح السوائل لإخراج الماء والأملاح والفضلات من الدم، ويظل البروتين وخلايا الدم موجودين في الدم، ويتم نقل السائل المرشَّح (البول الأولي) في نُبيبات صغيرة،
وهناك، يوجد نوع خاص من الخلايا (الخلايا الأنبوبية) تُعيد الماء والأملاح مثل الصوديوم والكالسيوم والفوسفات والماغنسيوم إلى الدم، وما يظل موجودًا من هذه المواد يتم اطِّراحه خارج الجسم أعزّكم الله كبولٍ نهائي.
في عالم الإنسان الداخلي ما يبهر العقل، ويحيّر اللب، ويجعل المرء يدرك حقًا ماهيّة الحياة، ويعرف أن الإنسان برغم ما أوتي من علمٍ وقوة وعقل إلا أنه مخلوقٌ ضعيف لا حول له ولا قوة.
 

ما أنتَ يا إنسانُ إلا قَطرةٌ
              في لُجِّ بحرٍ صاخبِ الأمواجِ

تَتَبَخَّرُ الأجزاءُ منكَ فترتقي
                        للغيمِ ثم تعودُ للأثباجِ

اعرِفْ حقيقَتَكَ الضعيفةَ واعتَصِمْ
                 بهُدَى إلهِكَ تَسْمُ في مِعراجِ


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.