عبدالعزيز التميمي
ليست كل الأغاني التي نسمعها تبقى في الذاكرة، وليست كل الألحان قادرة على عبور الزمن دون أن تفقد شيئاً من سحرها. فهناك أعمال تولد لتؤدي غرضاً فنياً عابراً، وأعمال أخرى تولد لتصبح جزءاً من وجدان الناس، تستعيدها القلوب كلما مرّت بها ذكرى، أو أيقظ فيها الحنين شيئاً من الماضي الجميل.
ومن هذه الأعمال أغنية أم كلثوم «عوَّدت عيني»، التي اجتمع فيها إبداع ثلاثة من كبار صُنّاع الموسيقى العربية: صوت أم كلثوم الاستثنائي، ولحن رياض السنباطي، المفعم بالشجن والثراء، وكلمات أحمد رامي، التي تلامس أعماق النفس الإنسانية.
رياض السنباطي... حين يصبح اللحن لغةً للقلب
لم يكن رياض السنباطي، مجرد ملحّن يضع الموسيقى تحت الكلمات، بل كان فناناً يمتلك قدرة نادرة على اكتشاف المشاعر المختبئة خلف الحروف، ثم يمنحها صوتاً موسيقياً يجعل المستمع يراها ويسمعها ويعيشها.
في «عوَّدت عيني» تتجلى هذه القدرة بوضوح؛ فاللحن لا يندفع نحو المستمع دفعة واحدة، ولا يستعرض قوته في الصخب والزخرفة، وإنما يتقدم بثقة الفنان الذي يعرف أن التأثير الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى ارتفاع الصوت، بل إلى عمق الإحساس وحسن البناء.
إن قوة هذا اللحن تكمن في تدرّجه، وفي قدرته على الانتقال بين الهدوء والحنين، وبين البوح والشجن، دون أن يفقد وحدته أو يبتعد عن الحالة الشعورية التي تحملها الكلمات. وكأن السنباطي يرسم بالأنغام لوحةً تتبدل ألوانها مع كل جملة، لكنها تظل محتفظة بروحها الأولى.
وهنا تكمن عبقريته؛ إذ لا تشعر بأن الموسيقى تشرح الكلمات أو تكرر معناها، بل تشعر بأنها تكشف ما عجزت الكلمات وحدها عن قوله.
أحمد رامي... شاعر يجعل التجربة الشخصية حكاية الجميع
أما أحمد رامي، فقد امتلك سرّاً شعرياً بالغ الأهمية: أن يتحدث عن تجربة تبدو شخصية، فيجد كل مستمع نفسه داخلها.
إن عبارة «عوَّدت عيني» تختصر في كلمات قليلة حكاية الألفة التي يصنعها الحب، وكيف تتحول رؤية المحبوب من لحظة استثنائية إلى حاجة وجدانية، ومن مشهد تنتظره العين إلى حضور يسكن الذاكرة.
وهذه هي قوة رامي؛ فهو لا يكتفي بوصف العاطفة، وإنما يقترب من جذورها النفسية. يجعل الانتظار شعوراً ملموساً، والحنين حالةً نعيشها، والغياب مساحةً يملؤها الخيال والذكريات.
وتبدو كلماته بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل وراء هذه البساطة طبقات من المعنى؛ فالشاعر الكبير ليس من يثقل قصيدته بالغريب من الألفاظ، وإنما من يستطيع أن يضع تجربة إنسانية عميقة في كلمات تبدو وكأنها كانت تنتظر من ينطق بها.
أم كلثوم... الصوت الذي منح الكلمات عمراً آخر
وحين وصلت هذه الكلمات إلى أم كلثوم، وجدت الصوت القادر على منحها حياةً تتجاوز حدود القصيدة واللحن.
فأم كلثوم لم تكن تؤدي الكلمات أداءً محايداً، بل كانت تعيد تشكيلها بصوتها، وتمنح كل جملة وزنها العاطفي، وتعرف متى تتأنى، ومتى تتسع النغمة، ومتى تترك للموسيقى أن تقول ما لا يحتاج إلى مزيد من الكلام.
وهنا تكتمل المعادلة الفنية: شاعر يعرف كيف يختار كلماته، وملحّن يعرف كيف يترجمها إلى مشاعر، ومطربة تمتلك من الحس والقدرة ما يجعل النص واللحن تجربةً واحدة لا يمكن فصل عناصرها.
ولعل سرّ بقاء هذه الأغنية يكمن في هذا التلاحم النادر؛ فلا تطغى الكلمات على الموسيقى، ولا تستأثر الموسيقى بالاهتمام على حساب المعنى، ولا ينفصل الأداء عن روح العمل.
إنها وحدة فنية تتكامل فيها الموهبة، ويمنح كل عنصر فيها العناصر الأخرى مزيداً من القوة والجمال.
لماذا تعود إلينا هذه الأغنية بعد كل هذه السنوات؟
لأن الفن الأصيل لا يعيش بالذكريات وحدها، بل بقدرته على أن يجدّد أثره في كل مرة نستمع إليه فيها.
قد تتغير الأذواق، وتتبدل وسائل الاستماع، وتتسارع الحياة، وتظهر أنماط موسيقية جديدة، لكن الإنسان يظل محتاجاً إلى صوت يعبّر عن شوقه، وكلمة تمنحه القدرة على فهم مشاعره، ولحن يأخذه إلى مساحة أرحب من يومه العابر.
وهذا ما تفعله «عوَّدت عيني». إنها لا تطلب من المستمع أن يعود إلى زمن أم كلثوم كي يفهمها، بل تمنحه أسباباً ليشعر بها في زمنه هو.
وكلما أعدنا الاستماع إليها، اكتشفنا تفصيلاً موسيقياً لم ننتبه إليه من قبل، أو أدركنا معنى في الكلمات لم يكن واضحاً لنا في تجربة سابقة. وهكذا تتحول الأغنية من تسجيل محفوظ إلى تجربة متجددة، ومن ذكرى فنية إلى حضور حيّ في الوجدان.
إن الفارق بين الأغنية العابرة والأغنية الخالدة ليس في تاريخ تسجيلها، ولا في شهرة من أدّاها وحدها، وإنما في مقدار ما تختزنه من صدق، وفي قدرتها على أن تجدّد صلتها بالإنسان مهما تغير الزمن.
الفن الأصيل لا يشيخ
إن الحديث عن «عوَّدت عيني» هو، في جوهره، حديث عن مرحلة من تاريخ الموسيقى العربية كانت فيها الكلمة واللحن والأداء تقوم على حوار عميق، وعلى احترام واضح لقدرات الشاعر والملحّن والمطرب، وعلى إيمان بأن الأغنية عمل فني متكامل يستحق الوقت والتأمل والإتقان.
وليس المقصود من استعادة تلك التجربة التقليل من شأن الأجيال الجديدة أو إنكار ما تقدمه من محاولات وإبداعات، بل تذكيرنا بأن التجديد الحقيقي لا يتحقق بمجرد تغيير الإيقاع أو تسريع الأداء، وإنما بالبحث عن لغة فنية صادقة تستطيع أن تصل إلى الإنسان وتبقى معه.
لقد اجتمع في هذه الأغنية قلم أحمد رامي، وعبقرية رياض السنباطي، وصوت أم كلثوم؛ فكان الناتج أكثر من أغنية عاطفية ناجحة. كان شاهداً على أن الفن، حين يجتمع فيه الفكر والإحساس والموهبة، يستطيع أن يتجاوز حدود اللحظة التي وُلد فيها.
وهكذا تعوّدنا هذه الأغنية أن نعود إليها؛ لا لأننا أسرى الماضي، بل لأن بعض الجمال لا يفقد قدرته على إدهاشنا، وبعض الألحان لا تنتهي حين تنتهي الموسيقى، وإنما تظل تعزف في داخلنا طويلاً.
تلك هي منزلة الفن الأصيل: أن يمضي الزمن، وتتغير الوجوه والأصوات، ويبقى اللحن قادراً على أن يفتح في القلب نافذةً لم يغلقها العمر...

