: آخر تحديث

يداك أوكتا... وفوك نفخ!

7
10
5

عبدالعزيز الكندري

يُحكى أن رجلاً أراد عبور نهر، فنفخ بقربة (جلد) بفمه ليعتمد عليها في السباحة، ثم ربطها بإحكام ضعيف أو بشكل غير محكم، وفمه هو الذي نفخ الهواء، وعندما توسط النهر، انحل الرباط وتسرب الهواء، وأوشك على الغرق فأخذ يستغيث، فقيل له: «يداك أوكتا وفوك نفخ»؛ أي أنك أنت السبب في هلاكك وتقصيرك، فعليك أن تتحمّل نتيجة عملك.

هذا المثل وهذه القصة تنطبق على إيران خلال السنوات الماضية، حيث زرعت ميليشيات في غالبية الدول العربية، وزودت هذه الجماعات بالسلاح والصواريخ والطائرات المسيّرة، وكانت نقطة انطلاقة للاعتداء على الجيران، وهل تقبل طهران أن تقوم الدول العربية بإيجاد جماعات مسلحة لديها كما تفعل هي في بقية الدول؟!

لذلك، واجهت ايران المجتمع الدولي والعقوبات الاقتصادية، وتراجع قيمة العملة، والخسائر الكبيرة التي حدثت لميليشياتها، وخسارة سوريا بسقوط النظام، وأنفقت المليارات على حلفائها في سوريا خلال السنوات الماضية، وسبب فشلها هي أنها دولة ولكنها تفكر بعقلية الميليشيات، وتتعامل مع الآخرين بفوقية.

وأنفقت إيران موارد مالية وعلمية وتقنية على تطوير برنامجها النووي، الذي تقول إنه مخصص للأغراض السلمية، بما فيها إنتاج الطاقة والبحث العلمي، في المقابل، أثار البرنامج مخاوف دولية بشأن احتمالات تطوير قدرات تمكّن إيران من إنتاج سلاح نووي، وهو ما كانت فعلاً إيران تريده وهو برنامج نووي عسكري. وأدى الخلاف حول البرنامج إلى فرض عقوبات اقتصادية، وإجراء مفاوضات دولية، وتعرض المنشآت النووية الإيرانية لضربات عسكرية خلال عام 2025.

وتوسعت العلاقة بين إيران وجماعة الحوثيين في سياق الحرب اليمنية، وقدمت إيران للحوثيين أشكالاً مختلفة من الدعم، وفق تقارير دولية، شملت المساعدة التقنية والعسكرية، لا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويكتسب اليمن أهمية إستراتيجية بسبب موقعه بالقرب من مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويعد ممراً مهماً للتجارة العالمية، وتتمثل أهداف إيران في اليمن بتوسيع نفوذها في جنوب شبه الجزيرة العربية، وممارسة الضغط على السعودية ودول الخليج، امتلاك ورقة إضافية في مواجهة الولايات المتحدة.

وفي لبنان أنشأت إيران نفوذاً واسعاً منذ تأسيس «حزب الله» عام 1982 بدعم من الحرس الثوري الإيراني. شمل الدعم العسكري والأمني، وتوفير تمويلٍ سنوي ضخمٍ يقدر بمئات الملايين من الدولارات، إضافة إلى تزويده بالصواريخ والأسلحة والعتاد العسكري، ما كوّن النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث بنت إيران شبكة نفوذ واسعة عبر تمويل مؤسسات اجتماعية وتعليمية وصحية تابعة لـ«حزب الله» في مناطق البيئة الحاضنة.

والآن، تطلب الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة وهو حق أصيل ومشروع لكل الدول، وحظر الأنشطة العسكرية للميليشيات خارج رحم الدولة، ولكن التنفيذ يواجه من قبل الحزب بالرفض، أي منطق وعقل هذا الذي يقوم به الحرس الثوري عندما ينشئ ميليشيات خارج حدود الدولة!، ويرفض على الدول الأخرى التدخل لديه؟!

وما يمكن تعلمه من التجربة الإيرانية أن بناء القوة والنفوذ الخارجي ليس بالضرورة من أن يحول إلى استقرار، وقد يتحول إلى عبء بحيث تكون كلفة الحفاظ علي الميليشيات أكبر من العائد بكثير، وهو ما يحصل بالفعل، ولكن المشهد سيتغير خلال الأيام المقبلة، بسبب الأزمات الاقتصادية والحصار المالي، وهبوط العملة إلى مستويات قياسية جديدة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد