: آخر تحديث

ما لا تعرفه عن العلوم الاجتماعية

6
7
5

رائد محمد آل شهاب

تندرج العلوم الاجتماعية تحت مظلة الآداب، فبدونها يتحول كل شيء إلى شريعة الغاب، وتُفتح الأبواب للكوارث والأحزان. ومع ذلك، فإن الكثير منا، من أفراد ومجتمعات ومنظمات وأقاليم ودول، لم يفسروا ولم يُقوِّموا هذه العلوم البالغة الأهمية والحساسية تفسيراً وتقييماً كافيين.

فهي تمثل وتغرس مفهوم الاخلاق والفن الأصيل، ولذلك تندرج هذه العلوم المميزة في أغلب الأحيان تحت كلية الفنون College of Arts.

وهذا الأمر ينقلنا إلى قصة في غاية الروعة، حدثت قبل بعثة النبي محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» بخمس سنوات، عندما أعادت قريش بناء الكعبة بعد أن تصدعت جدرانها بسبب سيل عارم.

وعندما وصلوا إلى مرحلة وضع الحجر الأسود في مكانه، اشتعل نزاع كبير بين القبائل، حيث أرادت كل قبيلة نيل هذا الشرف العظيم، وكاد الأمر أن يتحول إلى حرب دموية بينهم.

بعد أيام من الخلاف، اقترح أبو أمية بن المغيرة المخزومي (وكان أسنّ قريش عامة) أن يحكّموا أول من يدخل عليهم من باب المسجد الحرام. كان أول من دخل هو النبي محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» فلما رأوه قالوا بصوت واحد: «هذا الأمين، رضينا به، هذا محمد». بعد أن استمع «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى المشكلة، طلب ثوباً (قماشاً)، ثم قام بما يلي:

- وضع الحجر الأسود بيده الشريفة في وسط الثوب

- طلب من رؤساء القبائل المتنازعة أن يمسك كل منهم بطرف (زاوية) من أطراف الثوب

- أمرهم بإن يرفعوه جميعاً في وقت واحد، ففعلوا حتى أوصلوه إلى مكانه

- أخذ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الحجر بيده الشريفة ووضعه في مكانه من جدار الكعبة

بهذا الحل الذكي، نالت جميع القبائل شرف حمل الحجر الأسود بالتساوي، وانتهت الأزمة وحُقنت الدماء بفضل حكمة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم».

لقد لعبت التخصصات التي تندرج تحت مظلة كليات الآداب والعلوم الاجتماعية دوراً جوهرياً في تشكيل العصر الحديث في الغرب وتسريع وتيرته. ورغم أن قسماً أكاديمياً بعينه لم يكن المسؤول بمفرده عن خلق هذا العصر، إلا أن الدراسة المنهجية للثقافة والسلوك والتاريخ البشري كانت بمثابة محفز للفكر الحديث، ووسيلة رئيسية لتوثيقه. وبالفعل، ساهمت كليات الآداب والعلوم الاجتماعية في تسريع وتيرة العصر الحديث في الغرب بشكل كبير، وذلك من خلال إعادة هيكلة التعليم العالي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (تقريباً بين عامي 1870 و1930).

قبل أواخر القرن التاسع عشر، كان تركيز الجامعات الغربية ينصبّ بشكل أساسي على اللاهوت، والدراسات الكلاسيكية (اللغتين اللاتينية واليونانية)، وإعداد شباب النخبة ليصبحوا «رجالاً مهذبين» (gentlemen) وقد حدث الانتقال المتسارع نحو العصر الحديث عبر موجتين رئيسيتين:

- الثورة الهومبولدتية (بعد سبعينيات القرن التاسع عشر): استلهاماً من نموذج الجامعة الألمانية الذي أسسه فيلهلم فون هومبولدت، تحولت الجامعات من مجرد مؤسسات لحفظ المعرفة القديمة إلى مراكز لإنتاج معرفة جديدة من خلال البحث العلمي

- التوسع في الحقبة التقدمية (بين تسعينيات القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن العشرين): في الولايات المتحدة وأوروبا، أدى التدفق الهائل للثروة الصناعية (إلى جانب تشريعات مثل «قوانين موريل للمنح الأرضية» في الولايات المتحدة) إلى تمويل توسع سريع في الجامعات. وفي هذه الفترة تحديداً، نشأت الأقسام الأكاديمية الحديثة في مجالات الاقتصاد، وعلم الاجتماع، والعلوم السياسية، والتاريخ الحديث.

وقد دفعت كليات الآداب والعلوم الاجتماعية عجلة العصر الحديث في الغرب إلى الأمام من خلال آليات جوهرية:

- ابتكار «العلوم الاجتماعية» لإدارة المدن الحديثة: أدى التصنيع إلى ظهور مشكلات ضخمة وغير مسبوقة، مثل الاكتظاظ الحضري، والإضرابات العمالية، والأزمات الصحية العامة، والفقر المدقع.

أولاً، علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية: استخدمت أقسام أكاديمية مثل «مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع»، المدينةَ ذاتها كمختبر بحثي، حيث ابتكرت أدوات تعتمد على البيانات، مثل الإحصاءات، ورسم الخرائط، والعمل الميداني، لمساعدة الحكومات في إدارة السكان في المناطق الحضرية.

ثانياً، الاقتصاد: حوّلت الجامعاتُ الاقتصادَ من «فلسفة أخلاقية إلى علم تجريبي قائم على الرياضيات والبيانات. وقد مكّن هذا التحولُ البنوكَ المركزية والشركاتِ الحديثة من وضع التوقعات، وتنظيم الأنشطة، وتوسيع نطاق الرأسمالية الصناعية.

- خلق النخبة البيروقراطية والإدارية: احتاجت الدول الحديثة والشركات العالمية إلى آلاف الإداريين والدبلوماسيين والمديرين المتخصصين لضمان سير أعمالها.

العلوم السياسية والإدارة العامة: عملت هذه الأقسام على توحيد معايير تدريب الموظفين العموميين، مستبدلةً المحسوبية والفساد بممارسات إدارية قياسية قائمة على «الجدارة».

اللغات الحديثة والجغرافيا: مع توسع الإمبراطوريات الغربية وشبكات التجارة العالمية، قامت كليات الآداب بتخريج اللغويين والدبلوماسيين والجغرافيين الذين كانت هناك حاجة إليهم للتعامل مع الأسواق الدولية والجغرافيا السياسية.

- تشكيل الهوية الوطنية: احتاجت المجتمعات الحديثة إلى وسيلة جديدة لتوحيد الأفراد وغرس القيم.

الآداب الوطنية والتاريخ: توقفت أقسام التاريخ والأدب عن التركيز حصراً على روما واليونان القديمتين، وبدأت بدلاً من ذلك بتدريس التاريخ الوطني والآداب المكتوبة باللغات المحلية (مثل الأدب الإنجليزي، والفرنسي، والألماني). وقد ساهم هذا بفعالية في بناء المفهوم الحديث لـ «الدولة القومية» وتشكيل هوية ثقافية مشتركة.

- تعزيز الثورة العلمية والصناعية: ساهمت «العلوم الإنسانية» (وتحديداً البحث الإنساني والتفكير النقدي) في تسريع وتيرة العلوم البحتة بشكل مباشر.

المنهج العلمي: دمجت الجامعات البحثية الحديثة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية تحت نهج فكري واحد «الشك النقدي». فقد علّمت كليات الآداب الطلاب كيفية مساءلة الأفكار السائدة، ونقد بشكل عام، وإخضاع الأدلة للمراجعة النقدية من قِبل الأقران، وهي مهارات أدت مباشرةً إلى تحقيق إنجازات رائدة في مجالات الهندسة والطب والتكنولوجيا.

وفي الختام، أتشرف بتقديم النسخة الورقية الأولى من كتاب (التكامل الخماسي) إلى جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، ممثلة في كل من:

الدكتورة مشاعل بنت علي العكلي - عميدة كلية الآداب، والدكتورة سامية بنت مسفر الهاجري - وكيلة البحث العلمي والابتكار بكلية الآداب، حيث سعدت بهذا اللقاء المهم. ان أبواب كتاب (التكامل الخماسي) الخمسة كفيلة بنقلنا إلى مستويات التوافق: الروحي، والفكري، والتنموي... وغيرها، وذلك بين خمسة مستويات: الفرد، والمجتمع، والمنظمة، والأقاليم، والدول.

* * *

المصادر:

- Social Science (Modernism, History of Western Society), By Wikipidia / Sileon.com

- Colleges of Arts and Social Sciences heavily accelerated the Western Modern era, By AI

- حل النبي محمد «صلى الله عليه واله وسلم» نزاع قبائل قريش على وضع الحجر الأسود بحكمة وذكاء أطفأ نار الفتنة بين القبائل، بواسطة الذكاء الاصطناعي


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد